تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثنوي المعنوي ( معرب الكفافي ) — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
وحيثما ظهر النقصان والعدم ، كانا مرآة الجمال لكلّ فنّ وحرفة . 3205 وكيف يظهر فنُّ الحائك إذا ( قدّمت له ) ثوباً نظيفاً جيّد الحياكة ؟ وجذوع ( الأشجار ) يجب ألا تكون محفورة ، ولا مُشكَّلة ، حتى يشكلّ النجَّار الأصل والفروع « 1 » . وطبيب العظام يذهب إلى حيث تكون الساق المنكسرة . وكيف يتضح جمال صناعة الطبّ ، حين لا يكون هناك مريض عليل ؟ ومتى كان الإكسير يظهر ، لو لم تذع بين الناس خسّة النحاس وضعته ؟ 3210 إن النقائص هي المرآة التي تجلو صفات الكمال . كما أنّ الحقارة مرآة العزَّة والجلال . ذلك لأنّ الضدّ يظهر ضدّه يقيناً . فالعسل - إلى جانب الخلّ - بَيّنُ الحلاوة . فكلّ من رأى نقص ذاته وعرفه ، فقد انطلق بجوادين نحو استكمالها . وليس ينطلق محلِّقاً نحو ذي الجلال ، من توهمّ ذاته مفعمة بالكمال . فيا أيها المُدلُّ بذاته ! إنّ الروح لا تصاب بعلة أسوأ من توهمّ الكمال ! 3215 فلا بدّ من أنْ يفيض قلبك وعيناك بدم كثير حتى يخرج منك هذا العُجْب . لقد كانت علّةُ إبليس ( في قوله ) أنا خير ( من آدم ) . وهذه العلّة كائنة في نفس كلّ إنسان . فإنْ كان المرء يرى نفسه شديد الانكسار ، فاعلم أنّ هذا هو الماء الصافي الذي يكمن البعر تحته في قاع النهر « 2 » .
هامش
( 1 ) يجب أن يقدم الخشب للنجار في صورته الطبيعة حتى يقوم بتشكيله واستخدامه على الوجه الذي يراه والصورة التي يرتضيها فنه . ( 2 ) اعلم أن هذا التواضع الذي يظهر عند بعض الناس قد لا يكون أكثر من مظهر خارجي ، كماء النهر يبدو صافياً ، ولكنه يخفي تحته ما كمن في قاع النهر من أقذار .