( 2400 - 4208 ) : لا يفتأ مولانا جلال الدين يتحدث عن البيان الذي لا يستطيع أن يستوعب المعاني الراقية السامية التي تدور في ذهنه ، إن المعاني كالبحر والبيان كإناء فخار ، والمعاني كالأسد الهصور والبيان كالحمل الوديع ، ومن هو في حجاب لا يستطيع أن يعبر عما هو وراء الحجاب ، فأخرج من احتجابك بالمادة حتى ترى عالم المعنى ، والسكارى بك أيها الاله يحطمون كؤوسهم دائما عند وجدههم ، وجد السكر لا يتم الا بعد أن يفيق الثمل ، وهؤلاء لا يفيقون أبدا ، فمن سكر بهواك لا يفيق .
( 4211 - 4216 ) : لا يزال فضلك يقول لهذا الثمل بك ، اذهب وامض ، استرح ، إنك قد سقطت في المخيض ، إنك مخدوع ( انظر 2716 من الكتاب الثالث ) ، إنك تظن نفسك ثملا ، لا ، إنك أنت الخمر نفسها ، فبك ثمل الناس ، إنك ضعيف لكن الأقوياء يثملون بك عندما تسوق مركبك نحو بحر معرفة الحق واللذائذ الروحانية ، إنك أنت أيها الثمل بالعشق الإلهى برغم ضعفك محور الوجود وقطب المخلوقات ( انظر 2339 من الكتاب الذي بين أيدينا ) ، ومن خمرك يا ثملا بالعشق الإلهى تصبح الجبال نفسها ثملة بالعشق ( أيها العاشق ذاق الطور عشقا * رقض الجبل وموسى خر صعقا ، البيت 26 من الكتاب الأول ) ، وكل الجواهر إلى جوار مرتبة العاشق رخيصة الثمن لا تساوى شيئا ، وماذا أقول ؟ ! إن البيان قاصر عن وصف هذا الذي لا يوصف ، وأي فم يستطيع أن يتحدث وخمسمائة فم عاجزة وقاصرة ولا تستطيع أن تصفه ، وكلما أردت أن أصف روح العالم ، العشق الساري في الأكوان ، والعاشق أو الإنسان الكامل ، أصبت بالخجل ! ! ( 4217 - 4219 ) : إنني أشعر أمامك بالانكسار يا مليك العالم ويا عالما بالسر لأن بيانى قاصر ولغتى عاجزة ، لكن هل أكون أكثر انكسارا من العدم الذي قد تخلق بالله عوالما تصل إلى الوجود عالما بعد عالم ؟ ! بلطفك ومنك وكرمك تأتى بالموجودات كلها في عالم العدم إلى عالم الوجود ، وغير هذه العوالم التي خلقت هناك آلاف العوالم التي تنتظر الخلق ، وهناك سير مستمر ، حركة مستمرة تحرك العدم إلى الوجود في مراتب وأطوار ، فمن الموت في عوالم الهيولى يجذبه إلى عالم الجماد وبالموت في عالم الجماد يجذبه إلى حيز النبات ثم إلى حيز الحيوان ثم يدخل في أطوار الإنسانية ، تجدد مستمر بين الموت والحياة ، ثم مرة ثانية بمقتضى إنا إليه راجعون عودة إلى العالم الأصلي ، عالم العدم مصنع الإبداع ومنشئه ، وفي هذا التغير المستمر ، هناك ما لا يتغير ولا يتبدل ، وقدم الصانع وحداثة المصنوع هو الذي
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي ) — صفحة 616
مساهمون: جلال الدين الرومي
ص٦١٦