- لقد قال « انفقوا » إذن فاكسبوا أولا . . ذلك أنه لا نفقه دون أن يسبقها دخل .
- وكذلك عندما قال اصبروا ، ينبغي أن تكون هناك رغبة حتى تشيح عنها بالوجه « 1 » .
ليس صراع الإنسان إذن في مقابل الأهواء ، وسعيه الحثيث نحو العودة إلى أصلة قائما على تجاهل هذه الرغبات والأهواء ، أو نفيها ، بل على مقاومتها مقاومة شديدة ، فالهروب هنا ليس يجدى ، وكيف يفر الإنسان من نفسه التي بين جنبيه ، ومن شيطان يجري منه مجرى الدم يقول مولانا :
فلأهرب . . ما دام فيّ عرق ينبض .
ومتى يكون الهرب من الذات أمرا يسيرا .
فلا هو أمن في الهند ولا أمن في ختن .
ذلك الذي يكون خصمة نفسه التي بين جنبيه « 2 » .
الهدف إذن من كل التجربة الصوفية عند مولانا هو « سيادة الإنسان » أن يكون بالفعل سيدا على الأكوان كما خلق في الأصل . . ليس الإنسان إذن كما يقول الخيام . . ذرة تراب توحدت بالأرض . . أو قطرة ماء وامتزجت بالمحيط . .
ومجيئه إلي العالم مجئ ذبابة . . ظهرت ثم اختفت . . لا . . فماذا يكون الإنسان إذن كما عبر عنه مولانا جلال اللدين ؟ ! عليه أولا أن يعرف أصله وخلقه فهذه المعرفة هي الخطوة الأولى في معركته نحو التسامي إلى الأعلى .
2 - أ - يقول الحكماء إن الإنسان هو العالم الصغير ، وأن العالم هو الإنسان الكبير . . لكن مولانا جلال الدين جاء وعكس الآية ، ذلك أنه لا يمكن أن يوجد هناك في الخليقة ما هو أعظم من الإنسان :
هامش
( 1 ) مثنوى ، الكتاب الخامس ، الأبيات : 575 - 581 .
( 2 ) عن صاحب الزماني 416 .