الدين أن مسئوليته الأولي تجاه البشر أن يأخذ بأيديهم في هذه المعركة ويوصلهم إلى بر الأمان ، ففي مثل هذه المعركة التي تجري داخل الدم ، ولا تهدأ ، ولا هدنة فيها ، يقف العدو « النفس - الشيطان - الهوى - مغريات الدنيا - الهوس » - بالمرصاد ومن ثم لا بد للمقاتل من مرشد ومن أستاذ ( التدقيق على لزوم المرشد يتردد كثيرا في كل أجزاء المثنوي « 1 » ) وهذه سمة مهمة جدا من سمات عرفان مولانا جلال الدين : أنه مضاد تماما لتصوف الزهد والانسحاب أنه إن شئنا الدقة : تصوف الصراع والمواجهة والقتال ، ومن هنا تشيع روح « الحنو » علي البشر والنظر بعين الإشفاق بل وأحيانا الفهم إلى ألوان ضعفهم . .
فهي لازمة جدا في المعركة . . فلا معنى لعفة بلا إغراء . . ولا معنى لأي ارتفاع عن مغريات الدنيا إلا إذا كانت هذه المغريات موجودة بالفعل . . عرفان مولانا جلال الدين إذن عرفان ينزل إلى خضم الحياة . . ينازلها ويصارعها ويقف أمامها وجها لوجه :
- وعندما لا يكون عدو فالجهاد محال ، وإن لم تكن شهوة لا يكون هناك امتثال .
- ولا يكون صبر عندما لا يكون لديك ميل ، وعندما لا يوجد خصم ما الحاجة إلى قيامك بالاحتيال .
- انتبه ولا تجعل نفسك خصيا . . ولا تصر راهبا ، ذلك أن العفة رهينة بوجود الشهوة .
- ولا يمكن النهي عن الهوى إن لم يوجد هوى ، ولا يمكن القيام بالغزو ضد الموتى .
هامش
( 1 ) أنظر : الأبيات 1774 - 1777 من الكتاب الثالث .