الاهتمام المتزايد بتربية « الطين » وجمع « القمامة » أي تحويل هذا العالم الذي نعيش فيه إلى غابة بكل ما في الغابة من مساوى ، بل وأسوأ ، لأن التكاثر هنا والتطاحن موجه بعقل جزئي لا يرى أبعد من مواطئ القدم ، فلا يكون هناك سوى « الجسد » ومطالبه فإذا شبع انطلق إلى الشذوذ في الفكر والمسلك وجر المجتمع من بعده إلى حمأة من الرذيلة لا نهاية لها « 2 » .
ليس ميدان الفكر الصوفي إذن كما يقال هو الغيبيات - فهكذا أفهمنا - فإن المخلوق الذي فيه نفخة من الإله ، وكان مقره الجنة ، ثم نزل إلى الأرض منفاه وغربته ، لابد وأن يعمل من أجل أن يكون جديرا بالعودة إلى أصله . . . ومن ثم فالفكر الصوفي - وبخاصة في تجليه عند جلال الدين - هو فكر سيادة الإنسان الذي لا بد وأن يرتفع عن التناقض الشديد الذي يعذبه ويبسط ظلا من الحيرة والصراع عليه طوال حياته ، ذلك التناقض الذي عبر عنه مجد الدين سنائي بقوله :
ماذا أفعل بالروح وأنا من الطين .
وماذا أفعل بالجسد وأنا من عليين . « 3 » وعبر عنه حافظ بقوله :
لا أدري من يوجد بداخلي أنا المعذب فأنا صامت وهو في صراخ وعويل . « 4 » بل وعبر عنه قبلهما الصوفي العظيم أبو سعيد بن أبي الخير ( المتوفي سنة 440 ه - ) بقوله . . . « أحيانا أكون كالملاك ملازما للعبودية وأحيانا كالحيوان أحيا على الطعام
هامش
( 2 ) أنظر الكتاب الثالث الأبيات 2660 - 2700 وشروحها حيث يقدم بيانا عن أنهيار الحضارات .
( 3 ) سنائى ديوان ص 385 .
( 4 ) جامع نسخ حافظ غ 82 ص 63