هامش
حق من أجمل في الكلام ولم يصرح بما يفيد العموم الحقيقي والمساواة ؛ لعلم اللّه تعالى وعلى فرض التصريح ، فإنما يظهر لو ادعى أن ذلك حاصل له صلّى اللّه عليه وسلّم من ذاته وبطريق الاستقلال ، أو ادعى قدم علمه صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو حدوث علم اللّه تعالى ، أو تماثلهما في الحقيقة والذات ، وهذا لا يدعيه أحد ممن ذكر ، ولا يتفوّه به ، بل ينكره أشد الإنكار ، ويكفر القائل به إذا عرض عليه ، فإن قيل : بعض هذا لازم من قولهم .
قلنا : لا نسلم اللزوم كما سبق بيانه ، وعلى تسليمه فهو بعيد لمن قال ولازم القول لا يعد قولا إلا إذا كان اللزوم بيّنا ، وهو هنا غير بين ، وحينئذ فلا يكفر في هذه المسألة بالنسبة لما ذكر أصلا ، فاعرف ذلك وتبيّنه ، وأعرض عما سواه ، وربنا سبحانه وتعالى يمن علينا وعليك برضاه ، آمين .
وأفتى بالثالث - وهو أن علمه صلّى اللّه عليه وسلّم محيط بالأشياء ولكن لا كإحاطة علم اللّه تعالى - جماعة ممن نحا نحو التوسط والجمع بين النصوص والأدلة ، وقالوا : إن هذا هو التحقيق وما سواه خلافه .
ومما يدل له ما ذكره الشيخ الأكبر في فتوحاته في الباب الخامس والستين وثلاثمائة ونصه :
وما ذكر عن أحد من نبي ولا حكيم أنه أحاط علما بما يحوي عليه حاله في كل نفس إلى حين موته ، بل يعلم بعضا ولا يعلم بعضا إلى أن قال : فلا يعلم الأمور على التفصيل إلا اللّه وحده :وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ[ البقرة : 255 ] انتهى منه بلفظه .
وما ذكره في الباب التاسع والستين وثلاثمائة ونصه :
لا يعلم الشئ من جميع وجوهه إلا اللّه ، المحيط علمه بكل شيء سواء كان الشئ فانيا أو موجودا ، متناهيا أو غير متناه انتهى .
وما ذكره في الباب الرابع والتسعين وثلاثمائة ونصه :
ثم إنك إذا أخذت تفصل بالحدود أعيان الموجودات وجدتها بالتفصيل نسبيّا ، وبالمجموع أمرا وجوديّا لا يمكن لمخلوق أن يعلم صورة الأمر فيهما ، فلا علم لمخلوق مما سوى اللّه ، ولا للعقل الأول أن يعقل كيفية اجتماع نسب يكون عن اجتماعها عين وجودية مستقلة في الظهور ، غير مستقلة في الغنى ، مفتقرة بالإمكان المحكوم عليها به ، وهذا علم لا يعلمه إلا اللّه تعالى ، وليس في الإمكان أن يعلمه غير اللّه تعالى ، ولا يقبل التعليم - أعني أن يعلمه اللّه مرسلا من عباده - فأشبه العلم به العلم بذات الحق ، والعلم بذات الحق محال حصوله لغير اللّه تعالى ، فمن المحال حصول العلم بالعالم أو بالإنسان نفسه ، أو بنفس كل شيء لنفسه بغير اللّه تعالى فتفهّم هذه المسألة ، فإني ما سمعت ولا علمت أن أحدا نبه عليها ، وإن كان فهمها مما يستصعبه التصور ، مع أن فحول العلماء يقولون بها ولا يعلمون له سر كبلقيس تقول :كَأَنَّهُ هُوَ[ النمل : 42 ] وهو هو . انتهى منه بلفظه .
وما ذكره في الباب الثامن والسبعين ومائة في الفصل الحادي عشر في الاسم الإلهي عند تعرضه لآية :وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ[ آل عمران : 159 ] ونصه :
والسبب الموجب للمشورة كون الحق له وجه خاص في كل موجود لا يكون لغير ذلك الموجود ، فقد يلقي إليه الحق سبحانه في أمرها ما لا يلقيه لمن هو أعلى منه طبقة ، كعلم الأسماء