هامش
ثم ذكر إن شئنا عبرنا في حقه عليه السّلام بالكلية ، ولكن مع إرادة التقييد بجنس أو نوع أو صنف كأن نقول : يعلم جميع ما ينبغي لمثله أو كل ما تبلغه عقول البشر ، أو كل ما لم يستأثر اللّه بعلمه أو نحو هذا مما نجزم بصحته ونعتقد أن كل علم قرأته نقص غير لائق به في حاله فهو حاصل له ؛ لأنه في عين الكمال إلى غير هذا من كلامه ، فليراجع في رسالته المذكورة ، وهي في نحو من ثلاثة أوراق ، وله في هذه المسألة رسالة أخرى كبيرة لم أقف الآن عليها .
وقد أشار إليها في « نشر المثاني » في ترجمته فقال : وله كلام في كراريس مع قاضي سجلماسة الشيخ أبي محمد عبد المالك التاجموعتي في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « أوتيت علم كل شيء » انتهى .
وممن أفتى به من المشارقة الشيخ نجم الدين محمد بن محمد بن محمد الغزي الدمشقي الشافعي محدث الشام ومسندها وشيخ الإسلام بها ، والأستاذ الكبير العالم الصوفي الشهير صاحب التحريرات والرسائل التي لا حصر لها الشيخ أيوب بن أحمد بن أيوب الحنفي الخلوتي الصالحي المتوفى في صفر الخير سنة إحدى وسبعين وألف ، وذلك أن المنوفي السابق لما قال مقالته السابقة ، وهي أنه عليه السّلام كان يعلم كل شيء من السحر وغيره من غير شكّ . نقل جوابه هذا إلى الشيخ نجم الدين الغزي السابق فغضب غاية الغضب وقال : إنه افتراها .
قال في « خلاصة الأثر » : وأخذ النجم يقيم عليه الحدود في درسه كل ليلة ويقول : إنه إن أصر على ذلك كفر ، ونطلب من أقرانه عمل رسالة على وفق مراده فامتنعوا من ذلك وقالوا : إنه أخطأ حيث قالها للعوام .
ومنهم من أحجم ولم يتكلم ، وقال : قد وقع فيها خلاف وما رجحوا منها قولا ينقل ، وطال التنقيب على هذه المسألة .
قال في « الخلاصة » : حتى ألف الشيخ أيوب الخلوتي المقدم ذكره في ذلك رسالة سماها :
« الصك الموفي على رقبة المنوفي » ، وهي رسالة جامعة لكل منثور ومنظوم ، فكف بعد المنوفي عن الدرس انتهى . راجعها في ترجمة المنوفي المذكور .
قلت : ولا أدري إنكارهم عليه هل هو من جهة نسبته إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم العلم بعلم السحر ، أو من جهة ما تضمنه كلامه من أنه كان يعلم كل شيء ، أو من جهتهما معا ، فإن كان الأول فإنما يتوجه إنكارهم لو أراد أنه كان يعلمه بالتعلم من السحرة ونحوهم ؛ إذ هذه رذيلة لا تليق بآحاد المسلمين فضلا عن جنابه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وليس في كلامه ما يفيد هذا أو يشعر به ، أما لو كان أراد أن اللّه تعالى أعلمه به وبكيفيته من جملة العلوم التي أعلمه إياها وأمده بها معجزة له - كما هو المتبادر من المقام - فلا إنكار .
وقد ذكر في « الفتوحات » في الباب الثالث والسبعين ومائتين أنه أطلع في جملة ما أطلعه اللّه عليه في بعض الحضرات على خزائن العلوم المهلكة ، ورأى فيها علوما ما انشغل بها أحد إلا هلك من علوم العقل المخصوصة بأرباب الأفكار من الحكماء والمتكلمين ، ورأى منها ما يؤدي صاحبه إلى الهلاك الدائم ، وما يؤدي صاحبه إلى هلاك ثم ينجو غير أنه ليس لنور الشرع فيه أثر البتة من علوم البراهمة كثيرا ، ومن علوم السحر وغير ذلك ، قال : فحصلت جميع ما فيها من العلوم