الحكمة من قلبه على لسانه » فلزوم المجاهدة يوصل إلى حضرة المشاهدة ، ألا تراه سبحانه وتعالى يقول لنبيه وحبيبه :
وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
« 1 » . فإن كان مقصود الوجود لا يصل إلى المقام المحمود إلا بالركوع والسجود فكيف يطمع بالوصول من ليس له محصول .
قال أبو عثمان المغربي رحمة اللّه عليه : كل من ظن أنه يفتح عليه بشئ من هذه الطريقة أو يكشف له عن شئ منها بغير لزوم المجاهدة فهو في غرور وغلط .
وقال أبو يزيد البسطامي رحمة اللّه عليه : مكثت أثنى عشرة سنة حداد نفسي ، وخمس سنين كنت أجلى مرآة نفسي وسنة أنظر فيما بينهما ، فإذا في وسطى زناد فعملت في قطعه خمس سنين انظر كيف أقطعه ، فقطعته فكشف لي ، فنظرت إلى الخلق فرأيتهم موتى فكبرت عليهم أربع تكبيرات .
ومعنى هذا الكلام واللّه أعلم أنه عمل في مجاهدة نفسه وإزالة أزغالها وما حشيت به من العجب والكبر والحرص والحقد والحسد وما شابه ذلك مما هو من مألوفات النفس ، فعمل في إزالة ذلك بأن أدخل نفسه إلى كبر التخويف ، ثم طرقها بمطارق الأمر والنهى حتى أجهده ذلك وظن أنها قد انظفت ، ثم نظر في مرآة اخلاص قلبه فإذا بفايا من الشرك الخفي وهو الربا والنظر إلى الأعمال وملاحظة الثواب والعقاب والتشوق إلى المقامات والكرامات والمواهب وهذا شرك في الإخلاص عند أهل الاختصاص وهو الزناد الذي أشار إليه فعمل في قطعه يعنى قطع نفسه وفطمها عن العلائق
هامش
( 1 ) [ سورة الإسراء : آية 79 ] .