فصل
واعلم أن هذه الأوصاف الشريفة لا تكون إلا لمن صفت أوصافه وصفت أحواله وخلصت أعماله وصدقت أقواله وقصرت آماله وقام بما عليه وترك ماله ولا يتشوق إلى ذلك ولا يستدعيه ولا يتعاطاه ولا يدعيه ولا يظهر من الخير ما ليس فيه ولا يكتم من حاله ما اللّه مبديه ، فإن المعاني لا تثبت بالدعاوى والأماني لا تنال بالتوانى ، وإنما المعاني تحصل بالتقوى والصبر على البلوى والتوكل على اللّه في السر والنجوى ، فمن اتقى ارتقى وإلا هبط في مهاوى الشقاء وأما من ظهر من جهال الطريق وبرز بالعدول عن التحقيق وتقشف بقشف أهل التجريد والتمزيق حتى أوقعوا عقول العامة في الحرج والضيق وهووا بأهوائهم في مكان سحقيق فأولئك ، هم واللّه الأسوؤن حالا الأخسرون أعمالا
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً
« 1 » .
ولقد سئلت عن الفقير الصادق وما صفته ، فقلت أيها المرائي باللباس المساوى بين الحق والباطل بالالتباس أتظن أن التكحل كالحل في القياس أو تعتقد أن من أسس بنيانه على تقوى من اللّه ورضوان كمن بنى بلا أساس ، تبا لقوم صرفتهم النفوس عن النفوس وقلبهم المحسوس إلى الرأي المعكوس ورضوا من الفقر بحلق الرؤوس وترقيع الملبوس ، واقتصروا من العبادة على حمل السجادة ، ومن الزهادة على تخثين الوسادة ، أقروا بالتوبة وأصروا على الحوبة ، وحملوا السبحة للمدحة ولبسوا الطاقية المتقبة واعتمدوا على العكاز ليقال أنه فاز ، وسبحوا ليمدحوا وذكروا ليذكروا وصلوا ليوصلوا وصاموا ليصانوا ،
هامش
( 1 ) [ سورة الكهف : آية 104 ] .