وإن للملك عدوّا قد سكن جوارحه . يقال له النفس الأمارة . وهي تنازعه الإمارة . واستنصرت عليه بالدنيا الغرارة . وظاهرها الهوى وبعث إليها أنصاره . وجاء الشيطان فكتب له منشور الوزارة . قد شنوا في أرض الملك الغارة . فياخيل اللّه اركبى . ومن الأعداء لا تهربى . فهنالك ركب القلب بين ميسرة خوفه . وميمنة رجائه ومقدمة توكله . وساقة التجائه متحملة
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
ومتمسكة بإذيال
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ .
فلما وصل بحنوده إلى معبوده بصدق النية . نادى مناديه في ناديه إن اللّه مبتليكم بنهر الدنيا الدنية . فمن شرب منه فليس منى . ومن عول عليه فليتنحّ عنى ، فقال أهل الضرورة لا بد من قيام الصورة . فجاءت مروحة الراحة بإباحة إلا من اغترف غرفة بيده واعترف بذنبه .
فأما من عدموا الفطنة . ووقعوا في شرك الفتنة . فشربوا وترووا حتى أورتهم البطنة فلما قابلهم القوم . قالوا لا طاقة لنا اليوم فقال الذين صبروا ابتغاء وجه اللّه
كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
« 1 » فالتقا بجيشهما في مجمع بحريهما ، هذا عذب فرات وهذا ملح إجاج . فكان التوكل موكلا بالحرص . والزهد محاذيا بالدنيا . والتواضع مدافعا للعجب . والإخلاص ماحيا للربا . والتقوى نافية للدعوى . والخوف مواقعا للهوى . والتسبيح والتقديس في محاربة إبليس . فتقدم حزب اللّه وشعارهم اللهم إنا جعلنا بك أقدامنا فثبت أقدامنا فإنا لا ندري ما قدامنا فهزموهم بإذن اللّه وانتصروا وما النصر إلا من عند اللّه . فلم تر منهم إلا مول دبره . وقاصم عمره . وأصبحت منازل الهوى والنفس . كأن لم تغن بالأمس .
هامش
( 1 ) [ سورة البقرة : آية 249 ] .