أسود كسائر الأحجار ، أما الوجه الذي يلي جمال الدرة فاكتسب من صفائها وضيائها حتى صار كأنه هي وكأنه هو ، ولا علة لذلك إلا مواجهته إياها ومقابلته لها واحتجابه عن غير وجهها ، فكذلك القلب له وجهان : وجه مما يلي الجثمانية البشرية ووجه مما يلي عيان جمال اللّه عز وجل ، فبالوجه المواجهة الجثمانية كسائر القلوب الحيوانية ، وبالوجه المواجهة عيان جمال اللّه عز وجل وقد اكتسب منه نورا غرق صاحبه فيه واستغرقه في مشاهدته حتى ظن أنه هو حتى قال صاحبه أنا هو « 1 » .
ولا عجب لقلب قد ملئ بحب اللّه تعالى لاستغراقه في مشاهدته فهو غائب في حضرته حاضر في غيبته ، غاب في ذكره بمذكوره ، ودهش في نظره بمنظوره .
فلا عجب أن يقول أنا هو فإن هذه دودة البقل لمجاورتها لبقلتها وانقطاعها إليها واستبدادها منها حتى اتصفت بصفتها ولبست حلتها حتى لا يفرق بينها وبين بقلتها لغنائها عن الصفات الدودية وبقيت بالصفات البقلية ، فما بالك بقلب قطعت مادته مما سوى اللّه تعالى ، وجعل غذاؤه ذكر اللّه سبحانه وشرابه حب اللّه تعالى وحركته باللّه سبحانه وقيامه للّه تعالى ، وفنى وجوده ببقاء اللّه تعالى عز وجل فاستحال تقدير البين في البين لأنه لم يبق له أثر ولا عين وهذا كله مبنى على أصلين مخلصين من قوله تعالى ( يحبهم ويحبونه ) .
هامش
( 1 ) يحاول المؤلف رحمه الله ورضى عنه أن يضع تخريجات وتأويلات لطيفة لبعض الشطحات ، ولكن كما سبق أن قلنا إن هذه الشطحات فيها غموض ويرفضها كبار أئمة التصوف لأنها توهم بمخالفتها لكمال التوحيد .