وبارد ، وذلك إني خلقته من تراب وماء ، ثم نفخت فيه نفسا وروحا ، فيبوسة جسده من قبل التراب ، ورطوبته من الماء ، وحرارته من النفس ، وبرودته من الروح » .
ثم جعلت في الجسد بعد هذا : أربعة أنواع أخر ، هن ملاك الجسد ، لا قوام للجسد إلّا بهن ، ولا تقوم واحدة منهن إلّا بالأخرى وهن : المرة السوداء ، والمرة الصفراء ، والدم ، والبلغم .
ثم أسكنت بعضهم في بعض ، فجعلت مسكن اليبوسة في المرة السوداء ، ومسكن الحرارة في المرة الصفراء ، والرطوبة في الدم ، والبرودة في البلغم .
فأي جسد أعتدلت فيه هذه الأخلاط الأربعة التي جعلتها ( ملاكة ) « 1 » وقوامه ، وكانت كل واحدة منهن ريعا ، لا يزيد ولا ينقص : كملت صحته واعتدلت بنيته .
فإن زادت واحدة منهن على أخواتها ، وقهرتهن ومالت بهن :
دخل السقم على الجسد من نواحيهن بقدر قلتها عنهن ، وضعفت طاقتها عن مقاومتهن .
ثم علمته الطب والدواء : كيف يزيد في الناقص ، وينقص في الزوائد حتى يعتدل ويستقيم أمر الجسد .
فالطبيب الفاره « 2 » ، العالم بالدواء والداء : هو الذي يعلم من أين دخل السقم على الجسد ؟ أم من أين الزيادة ؟ أم من أين النقصان ؟ ويعلم الدواء الذي يعالج به ، فيزيد في ناقصها ، وينقص من زائدها ، حتى يستقيم أمر الجسد على فطرته ، ويعدل الشيء بأقرانه « 3 » .
هامش
( 1 ) في المخطوطة « ملائكة » .
( 2 ) في المصباح « الفاره : الحاذق بالشيء » .
( 3 ) فتعود قوة الجسم كما كانت مستقيمة سليمة .