اللّه عنه ) هكذا كان الناس ثم اعرف وليي ( أبقاه اللّه تعالى ) فيما طرأ بيني وبين نفسي رأيت في هذه البلاد مسجونة مقهورة فإني كما يعلمه وليي ممن يقول بوجوبها ولا يصح عندي أبدا موتها عن صفاتها لمعرفتي بحقائقها ومكانها ولما رأيت اللّه تعالى قد فتح إلى قلبي باب الحكمة وأجرى فيه بحارها وسبح سري في سبحها حتى إني واللّه لأنظر إلى معظم البحر إذا اشتدت عليه الرياح الزعازع فعلا موجه وارتفع دربه ثم انظر إلى تموج بحر المعارف والأسرار في صدري فأجد معظم ذلك البحر بما وصفناه من تلاطم الأمواج واشتداد الرياح ساكنا لا حراك به عند تموج بحر الحلم في صدري واصطفاقه لا سيما في مكة المشرفة فداخلني من ذلك رعب شديد وجزع عظيم وخوف متلف فعزمت على قطع الميعاد وأن لا أقعد للناس فأمرت بالقعود والنصيحة للخلق قسرا وحتما واجبا فقعدت رفيع الكلام مصلت الحسام ثم أخلو بنفسي حيث مسكني فآذن المواهب بالحال التي أنا عليها وفيها فلا أجد بينهما نسب يربط ولا سبب يضبط فخفت واللّه يا وليي مكر اللّه بي واستدراجه إياي فخلوت بنفسي وقد داخلني من ذلك ما لا يعلمه إلّا اللّه تعالى ولا أجد طريقا أدخل منه لتمحيص نفسي وقد انسدت على المسالك بفنون الحقائق الأول والمعارف إلى أن لطف اللّه بي برؤيا رأيتها وجدت بها الظفر على نفسي وإقامة الوزن عليها وذلك أني رأيت في منامي كأني أدخلت الجنة فلما حصلت فيها ولم أكن رأيت نارا ولا حشرا ولا حسابا ولا شيئا من أهوال القيامة وجدت في نفسي راحة عظيمة لا يقدر قدرها وسرورها وحمدت اللّه تعالى فلما استيقظت علمت أن في حالي بعض اختلال وأن نفسي أدعت فوق حالها من جهة ما أعطاها اللّه من العلم ولو كانت متحققة بالحق تحققا عقليا مقدسا إلاهيا يغنيها عنها لم تلتذ بدخول الجنة ولا عقلت الراحة وأشغلها التنزه في جلال اللّه عن النظر إلى راحتها والتفاتها إلى نجاتها من أهوال الوعيد فأرادت تقيم على الحجة القاطعة من جهة تقسيم الحقائق الإنسانية ومراتبها
مجموعه رسائل ابن عربي — صفحة 123
مساهمون: ابن عربي
ص١٢٣