اما بعد فإن الحقيقة العامة إذا تحكم سلطانها في العبد الكلى وبدت دلالاتها على شاهده وظهرت آياتها وعجائبها على ظاهره شهد كل صديق من حيث صديقيته بزندقته وكذلك الامام صاحب النفوذ والاحكام ، وذلك أنه اخذ من وجه الحق الذي منه ينظر إلى مبدعة وموجده ولذلك سموا افرادا اى ليس لهم حكم العموم ولكن من هذا مقامه له قوة التستر عن أعين الخلق حتى لا يتسلط الخلق على فساد بنيته ، ومنهم من له هذا المقام ولكن اعطى من القوة ما يحمله ولا تظهر احكامه عليه كأبى بكر الصديق وغيره ولكن له مواطن يظهر فيها سلطان هذا المقام بحيث لا يشهد عليه لسان الانكار الا بغفلة ونسيان من المنكر ثم يرجع إلى حضوره مع علمه بهذا الموطن فيقوله بالحق وان كان لا يعطيه شرعه كقصة موسى والخضر عليهما السلام وكقول عمر رضى اللّه عنه « فما هو الا أن رأيت أن اللّه قد شرح صدر أبى بكر للقتال فعرفت انه الحق » ومن هذا المقام قابل ومن هذا المقام حكم المجتهدين من علماء الاسلام إذا اجتهدوا يلوح لهم منه تجليات يعرفون بها الاحكام بتعريفها ولا يعرفونها فينسبونها إلى نظرهم بجهلهم بهذه المرتبة ثم إذا رأوها على من ليس بمجتهد وهو يحكم وقد اخذ ذلك بعينه من غير طريقة الاجتهاد المعلوم واختلفت الطريق واتحد الحكم افتوا بقتله وشهدوا بزندقته وقالوا هذا لا يجوز ولا يحل ولو قيل لهم هذه الشروط التي وضعتموها للمجتهد في دين اللّه هل هي وضعكم أو نقلتموها عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فان كانت عن وضعكم فلا كرامة لكم وان كنتم نقلتموها عن الكتاب والسنة والاجماع على قول من يقول بها فهاتوا الدليل .
فان قالوا
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كل مجتهد مصيب وإذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله اجر وإذا أصاب فله اجران
، قلنا صدق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وفهمتم مقالته لا غير نحن ما اعترضنا عليكم في المجتهد وانما كلامنا في شروط المجتهد من نصبها لكم وسلمنا ان ما
رسائل ابن العربي ( دار احياء التراث ) — صفحة كتاب القربة 4
مساهمون: ابن عربي
صكتاب القربة ٤