فبهذا قد ذكرنا المنازل المعينة بأسمائها ، وذكرنا كم بين منزل ومنزل من المنازل ولم نسمها ، وإنما ذكرناها من أجل السالك ، إذا سلك عليها ليتقدم له الخير بكيفيتها ، وسكتنا عن كيفياتها من أجل المدّعي . فإن المدّعي متى حصل الكيفيات ظهر بصورة الصدق ، ولا يعرفه الأجنبي فتمشي دعواه ولا يفرق بينه وبين الصادق .
فلهذا لا نصرح بالكيفيات ، ولا بنتائج الأعمال مربوطة بأعمالها . بل نسوق الأعمال في أبواب المعاملات ، ونسوق النتائج في أبواب الأحوال ، وأبواب الأسرار .
ولا نقول هذا الحال نتيجة العمل الفلاني ، ولا هذا السر طريقه العمل العلاني من أجل ما ذكرناه ولا نبالي من المدّعي . لو قلته إذا ادعاه عبد ما فأخذه مني . وإنما نخاف من انقياد الخلق إليه واتباعه ، فيمزج ذلك الحق بهواه فيضل به الغير ، ومن هنا ظهرت الإباحية وأصحاب الحلول في طريق القوم ، فظهروا بالصورة لعيون العامة ولزوم الناموس . فإذا خلوا فهم شر الخلق . قلوبهم قلوب الذباب . تاب اللّه علينا وعليهم وراجع بنا ، وبهم .
فلمزجهم الحق بهواهم ، وأكاذيبهم . لم نبين ذلك حتى لا يكون في صحيفتي .
فمنهم أشبه الخلق بالشياطين عندما يسترقون السمع . فيأخذ كلمة الحق فيضيف إليها سبعين كذبة من السلسلة التي ذرعها سبعون ذراعا في جهنم « 1 » ، فيأت بها إلى وليه ليضله بها .
كذا قال تعالى :
وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ
[ الأنعام : 121 ] . كذا قال اللّه تعالى :
وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
[ الأحزاب : 4 ] .
* فأمّا منزل المدح :
فله أسرار كثيرة ، ووجوه . لكن أخص أوصافه : تعلق العلم بما لا يتناهى .
* وأمّا منزل الرموز :
فكذلك ، لكن أخص أوصافه : خواص العدد والأسماء والحروف .
* وأمّا منزل النداء :
فكذلك ، لكن أوصافه : علوم الإشارة والتحلية .
هامش
( 1 ) لعل الشيخ الأكبر رحمه اللّه تعالى يشير إلى
قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط اللّه لا يرى بها بأسا فيهوي بها في نار جهنم سبعين خريفا »
( رواه ابن ماجة في سننه ، باب كف اللسان في الفتنة ، حديث رقم 3970 ) .