فالطبيب لا يعرف الطبيعة إلا بما هي مدبرة للبدن الإنساني خاصة ، والعالم بعلم الطبيعة يعرفها مطلقا وإن لم يكن طبيبا ، وقد يجمع الشيخ بين الأمرين .
والطلبة والتلامذة للشيخ المتحقق بحفظ الفرج ، ألواح منحوتة منصوبة لرقمه وكتابته ، وقوابل مستعدة لنفخه ، فلا يزال ينفخ فيهم أرواح الأسرار ، ويخط فيهم حروف المعاني القدسية ، فيكون إذ ذاك متصفا باسمه الخلاق الحكيم ، وعلامات مدعيه رفض الدنيا وأهلها ، وتأثير كلامه وموعظته في نفس أكثر المستمعين له لا في كلهم .
واعلم أن الشيوخ على حالين : شيوخ عارفون بالكتاب والسنة ، قائلون بها في ظواهرهم ، متحققون بها في سرائرهم يراعون حدود اللّه ، ويوفون بعهد اللّه ، قائمون بمراسم الشريعة ، لا يتأولون في الورع ، آخذون بالاحتياط ، مجانبون لأهل التخليط ، مشفقون على الأمة . لا يمقتون أحدا من العصاة ، يحبون ما أحب اللّه ، ويبغضون ما أبغض اللّه ببغض اللّه ، لا تأخذهم في اللّه لومة لائم ، يأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر المجمع عليه ، يسارعون في الخيرات ، ويعفون عن الناس ، يوقرون الكبير ، ويرحمون الصغير ، ويميطون الأذى عن طريق اللّه وطريق الناس ، ويدعون في الخير بالأوجب ، يؤدون الحقوق إلى أهلها ، يبرون إخوانهم بل الناس أجمعهم ، لا يقتصرون بالجود على معارفهم ، جودهم مطلق ، الكبير لهم أب ، والمثل لهم أخ وكفؤ ، والصغير لهم ابن ، وجميع الخلق لهم عائلة ، يتفقدون حوائجهم ، إن أطاعوا رأوا الحق موفقهم في طاعتهم إياه ، وإن عصوا سارعوا بالتوبة والحياء من اللّه ، ولاموا نفوسهم على ما صدر منهم ، ولا يهربون في معاصيهم إلى القضاء والقدر ، فإنه سوء أدب مع اللّه ، هينون لينون ، ذوو مقة « 1 » ، رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا ، في نظرهم رحمة لعباد اللّه كأنهم يبكون ، الهمّ عليهم أغلب من الفرح ، لما يعطيه موطن التكليف ، فمثل هؤلاء هم الذين يقتدى بهم ويجب احترامهم ، وهم الذين إذا رؤوا ذكر اللّه .
وطائفة أخرى من الشيوخ أصحاب أحوال ، عندهم تبديد ، ليس لهم في الظاهر ذلك التحفظ ، تسلم لهم أحوالهم ، ولا يصحبون ، ولو ظهر عليهم من خرق العوائد ما عسى أن يظهر ، لا يعول عليه مع وجود سوء أدب مع الشرع ، فإنه لا طريق لنا إلا ما
هامش
( 1 ) المقة المحبة .