وليطلب العلم باللّه ، وكذلك العلم بالهندسة إنما تحتاج إليه في عالم المساحة ، فإذا انتقلت تركته في عالمه ، ومضت النفس ساذجة « 1 » وليس عندها شيء ، وكذلك الاشتغال بكل علم تركته النفس عند انتقالها إلى عالم الآخرة ، فينبغي للعاقل أن لا يأخذ منه إلا ما مست الحاجة الضرورية إليه ، وليجتهد في تحصيل ما ينتقل معه حيث ينتقل ، وليس ذلك إلا علمان خاصة : العلم باللّه تعالى ، والعلم بمواطن الآخرة وما تقتضيه مقاماتها « 2 » ، حتى يمشي فيها كمشيه في منزله ، فلا ينكر شيئا أصلا ، فإنه من أهل العرفان لا من أهل النكران ، وتلك المواطن مواطن التمييز لا مواطن الامتزاج التي تعطي الغلط ، ويخلص إذا حصل في هذا المقام أن يتميز من حزب الطائفة التي قالت عندما تجلى لها ربها « نعوذ باللّه منك لست ربنا ، ها نحن منتظرون حتى يأتينا ربنا » فلما جاءهم في الصورة التي عرفوه فيها أقروا ، فما أعظمها من حسرة ! ! ! فينبغي للعاقل الكشف عن هذين العلمين بطريق الرياضة ، والمجاهدة ، والخلوة على الطريقة المشروعة ، كنت أريد أن أذكر الخلوة وشروطها ، وما يتجلى فيها على الترتيب شيئا بعد شيء ، لكن منعني من ذلك الوقت ، وأعني بالوقت ، علماء السوء الذين أنكروا ما جهلوا ، وقيدهم التعصب وحب الظهور والرياسة عن الإذعان للحق ، والتسليم له إن لم يكن الإيمان .
وهذا آخر الرسالة واللّه ولي الكفاية ، والحمد له أولا وآخرا ، وباطنا وظاهرا ، والصلاة على نبيه شاكرا وذاكرا .
الشيخ
الشيوخ نواب الحق في العالم ، كالرسل عليهم السلام في زمانهم ، بل هم الورثة الذين ورثوا علم الشرائع عن الأنبياء عليهم السلام ، غير أنهم لا يشرعون ، فلهم رضي اللّه عنهم حفظ الشريعة في العموم ، ما لهم التشريع ، ولهم حفظ القلوب ، ومراعاة الآداب في الخصوص ، هم من العلماء باللّه بمنزلة الطبيب من العالم بعلم الطبيعة ،
هامش
( 1 ) كلمة ساذجة ليست عربية بل معربة ، ولا يستعملها الشيخ في كلامه ، وتوجد في فصوص الحكم « الفص العزيري » في محل لا تفيد فيه المعنى المطلوب ، وإذا استخدمها الشيخ أطلقها في وصف النفس لا القلب ، كما جاء في هذه الرسالة وفي الفتوحات المكية .
( 2 ) راجع الشريعة ص 13 .