وموسومون ، عظمت الدنيا في قلوبهم ، فلا يرون فوقها مطلبا ، وصغر الحق في أنفسهم ، فأعجلوا هربا ، حافظوا على السجادات والمشهرات والعكاكيز ، وأظهروا السبحات المزينة كالعجائز ، طغام ، أطفال ، صبيان أحلام ، لا علم عن الحرام يردعهم ، ولا زهد عن
هامش
- نفوسهم ، بما وجدت من اللذة والفرح بالعطايا ، فاستأسرتهم ، فإذا هم موتى ، طرحاء على مزبلة ، يحسد بعضهم بعضا ، ويتأكلون الناس .
نفوسهم معلقة بأحوالهم ، وقلوبهم مشغولة بتعلق نفوسهم ، همهم ظهورهم ، لباسهم وبطونهم ، واصطياد الأرامل ، يعمد أحدهم إلى أرملة موسرة ، فيغتنم رغبتها ، فيأكل أموالها ويذرها كالمعلقة ، يبوىء لنفسه رخاء العيش ، والتحكم في أموال الناس ، مخادعة بالتلطف ، قد اتخذوا الملق دينا ، والتماوت صناعة ، يحتملون به دنياهم .
فلو قلت لأحدهم : الزم هذا البيت شهرا ، فلا تخرج إلى الناس ، لرأيت به من الضيق والنفار ما يظهر لك ، من مكنون ما في صدره ، أنه رجل بطال ، قد ملكته نفسه ، فهو يتكلم بكلام الأولياء التقاطا وحكايات ، ولا تنجع فيه كلمة ، ولا يوجعه أنه خلو من ذلك ، فلا عمل بالأركان ، ولا وصول إلى مكان ، ولا سير في طريق ، كلما وعظت واحدا منهم ، أخذ يروغ يمينا وشمالا ، فإذا ضبطه عاند وكابر ، عاد يرد الملامة على الخلق ، ويذب عن نفسه وحاله ، لا يتذلل للحق لكيلا يهتك ستر نفسه ، فإذا حركته أخيرا وأقمت عليه الحجة ، أبدى نفاقه ، وأظهر ما نطق به مكنون ما في نفسه ، من أنه يريد إبقاء حاله ، وليس به شيء من هذه الأمور .
فهل يجوز أن يلان لمثل هذا في المقال ؟ فإني أجري في كلامي على سبيله ، فإذا بلغت إلى ذكر هؤلاء ، تغير الكلام ، فذلك حمية الحق وسنانه ، يطعن اللّه به أهل مخادعته ، المستهزئين بأمره ، وإنما نسبتهم إلى المجوسية [ ( يسمي الحكيم الترمذي المدعين في هذا الطريق « مجوس الطائفة » . ) ] في هذا الباب : لأنهم ملكوا هذه الدنيا الزانية بالعطايا من اللّه ، فلو كانوا يملكونها بشيء من عرض الدنيا ، أو بغير ذلك من طريق علم الظاهر ، لكان أيسر ، ولكن ملكوها من طريق العطايا من اللّه تعالى ، فاستعملوا تلك العطايا الإلهية بالاستيلاء على حطام الدنيا ، فلما ظفروا بها ، تركوا السير إلى اللّه تعالى ، فانظر أية فضيحة هذه ، أليست هذه مجوسية في هذا الطريق ؟
ثم إذا خاضوا في شيء من أمور الأولياء يقولون : الولي لا يرى ، والولي لا يعرف نفسه ، وشبّه عليه أمره حتى لا يعجب بنفسه وأمره ، وصاحب المشي على الماء وطي الأرض يأكل من نفسه ،