الحكيم أبو عبد اللّه محمد بن علي الترمذي رحمة اللّه « 1 » : ضعف ظاهر ، ودعوى عريضة ، فأول ما وصلت إلى هذه البلاد ( يعني مصر ) سألت عن أهل هذه الطريقة المثلى ، عسى أن أجد منهم نفحة الرفيق الأعلى ، فحملت إلى جماعة قد جمعتهم خانقاه عالية البناء ، واسعة الفناء ، فنظرت إلى مغزاهم المطلوب ، ومنحاهم المرغوب ، تنظيف مرقعاتهم بل مشهراتهم ، وترجيل لحاهم ، غير أنهم يدّعون أن أهلّ المغرب أهل حقيقة لا طريقة ، وهم أهل طريقة لا حقيقة ، وكفى بهذا الكلام فسادا ، إذا لا وصول إلى حقيقة إلا بعد تحصيل الطريقة ، وقد قال الإمام المقدم ، والصدر المبرز ، أبو سليمان الداراني رحمه اللّه : وإنما حرموا الوصول - وهو الحقيقة - بتضييعهم الأصول ؛ وهي الطريقة ، وقد شهدوا على أنفسهم بفراغهم من الحقيقة ، فهي شهادتهم بعينها أنهم على غير الطريقة ، وشهادتهم لنا « أنّا على الحقيقة » شهادة منهم لنا بتحصيل الطريقة ، وهاتان جهالتان منهم وهم لا يشعرون ، فالزمان يا ولي اليوم شديد ، شيطانه مريد ، وجباره عنيد ، علماء سوء يطلبون ما يأكلون ، وأمراء جور يحكمون بما لا يعلمون ، وصوفية بأغراض الدنيا موسخون
هامش
( 1 ) الحكيم الترمذي هو أبو عبد اللّه محمد بن علي بن الحسين بن بشير المؤذن ، من أجل مشايخ خراسان ، وهو فقيه حنفي ، محدث ، له تصانيف مشهورة ، ولد في أوائل القرن الثالث للهجرة ، وتوفي في أواخره ، يقول عنه الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي : اعلم أن الدعاوى لما استطال لسانها في هذا الطريق من غير المحققين ، قديما وحديثا ، جرد الإمام صاحب الذوق التام ، محمد ابن علي الترمذي الحكيم ، مسائل تمحيص واختبار ، وعددها مائة وخمسة وخمسون سؤالا ، لا يعرف الجواب عنها إلا من علمها ذوقا وشرابا ، فإنها لا تنال بالنظر الفكري ولا بضرورات العقول .
هذه الأسئلة وردت في كتابه « ختم الأولياء » وفيه يقول : رأيت هذه الطبقة ، قد عمدوا إلى مذهب ، فشهروا فيه أنفسهم عند الناس ، من ترك الفضول ، وشيء من الزهد والتورع والتعبد ، وحكايات ملتقطة من هنا وهناك ، ثم اتخذوها علما ، لا يعرفون ما أولها وما آخرها ، فنالوا به رياسة في ناحية من النواحي ، حتى اتخذوا بذلك جاها ، وتمكنوا في الرياسة ، واتسعوا في نعمة المأكل والمشرب والملبس والمنكح والضيافات ، وغير ذلك من المرافق والنساء ، فنظرت في ظواهر أمورهم وبواطنها ، فوجدت الأركان معطلة من العبادة ، مشغولة بالقيل والقال والبقبقة ، فقلت : هؤلاء ليسوا بعمال حقا ، ونظرت إلى منازل الأولياء ، فإذا قلوبهم عنها غائبة ، فقلت : هم في الطريق يسيرون إليه ، فوجدتهم قد تخطوا في الطريق خطوة أو خطوتين ، ما بلغوا ثلاث ، حتى قامت عليهم