سمعته ، ولا تشاوره في أمر تفعله فإنك تناقض أصلك ، فإن الأصل الذي ربطت عليه أمرك ألا تريد إلا ما أراده شيخك ، فإذا خطر لك شي فاتركه عن نفسك ، والتفت لما يرسمه لك ، وعليه اعتمد ، فإن من الشيوخ من إذا شاورته في أمر قال لك : افعله ، وإن كان لا يريد ذلك ، فإن الحال يعطيهم ذلك ، وهو يضر بك ، وإن قال لك : لا تفعله ، نفعك وضر نفسه ، وصلاح نفسه عنده أولى ، فما تسلم من هذا الضرر ، إلا بأن لا تشاوره في أمر خطر لك أن تفعله ، ولكن اترك ذلك الخاطر ولا تفعله ، فإن وقتك قد عمّره ما كلفك به شيخك ، وإنما تقع الخواطر للمريد السوء البطّال الفارغ ، ظاهرا وباطنا ، ولا تعترض عليه في فعل من أفعاله ، ولا تسأله لم فعلت ذلك ؟ وتلمذ وأخدم كل من قدمه عليك شيخك ، ولا تقعد مقعدا حيث كنت ، إلا وتتيقن أن الشيخ يراك ، فالزم الأدب ولا تمش أمامه في طريقه إلا بليل ، ولا تدم النظر إليه فإن ذلك يورث قلة الحياء ، ويخرج الاحترام من القلب ، ولا تكثر مجالسته ، وليكن جلوسك في بيت خلوتك ، أو خلف باب بيت الشيخ ، حتى إذا أرادك وجدك ، ولا تقض لأحد حاجة ولو كان أباك حتى تشاور شيخك ، ولا تدخل عليه متى ما دخلت عليه إلا قبلت يده وأطرقت ، وتحبب إليه بامتثال أمره ونهيه لك ، وكن حافظا شحيحا على عرضه ، وإذا قدمت له طعاما ، فألقه أمامه بجميع ما يحتاج إليه ، وقف خلف الباب ، فإن دعاك فأجبه ، وإلا فاتركه حتى يفرغ ، وإذا فرغ فأزل المائدة أو السفرة إذا أمرك ، فإن بقي من طعامه شيء وأمرك بالأكل فكله ، ولا تؤثر بنصيبك أحدا ، وإياك أن تحدّث نفسك أن الشيخ يأكل وحده ، فتستعظم أكله وإن كان طعاما كثيرا فيفرغ ، أو تقع فيه من أجل الخبر فيمن أكل وحده ، واجهد أن لا يراك فيما لا يسره منك ، ولا تتمن عليه ، واحذر مكر الشيوخ ، فإنهم يمكرون بالطالب في أوقات ، فحافظ على أنفساك في الحضور معه ، فإن وقعت منك زلة في حق أدب مع الشيخ ، وعرفت أنه قد عرّف بها ، وسامحك فيها ولم يعاقبك ، فاعلم أنه قد مكر بك وقد علم أنه لا يجيء منك شيء ، ولهذا سكت عنك ، وإذا عاقبك على الخطرة واللحظة ، وضايق عليك أنفاسك ، فأبشر بالقبول والفتح والرضى ، ولا يدللك عليه بسطه ، بل كلما انبسط فلتزد في قلبك المهابة والإجلال ، وتعظيم الاحترام والاحتشام .
كلما ازداد بسطة وخضوعا * زدت فيه مهابة وجلالا