وأعجب من ذا أنها في أكفّكم * تأجّج نارا والأكفّ بحور
حدّث أبو ذرّ وأحمد بن يحيى ، والسياق لأبي ذرّ ، أن ابن يحيى النديم قال : دعاني أمير المؤمنين المتوكل على اللّه ذات يوم وهو في بعض راحاته ، فقال : يا ابن يحيى ، أنشدني قول عمارة في أهل بغداد ، فأنشدته :
من يشتري مني ملوك محرّم * أبع حسنا وابني هشام بدرهم
وأعطي رجالا بعد ذاك زيادة * وأمنح دينارا بغير تندّم
فإن طلبوا مني الزيادة زدتهم * أبا دلف والمستطيل بن أكثم
فقال المتوكل : ويلي على ابن النوال على عقبيه يهجو شقيق دولة ولد العباس .
ثم قال لي : يا ابن يحيى ، هل عندك من المديح في أبي دلف القاسم بن عيسى شيء ؟ قلت : نعم يا أمير المؤمنين ، قول الأعرابي الذي يقول فيه :
أبا دلف إن السماحة لم تزل * مغلّلة تشكو إلى اللّه غلها
فبشّرها ربي بميلاد قاسم * فأرسل جبريلا إليها فحلّها
ومن هذا الباب قول القائل :
حرّ إذا جئته يوما لتسأله * أعطاك ما ملكت كفاه واعتذرا
يخفي صنائعه واللّه يظهرها * إن الجميل إذا أخفيته ظهرا
وقال الآخر :
فتى عاهد الرحمن في بذل ماله * فلست تراه الدهر إلا على العهد
فتى قصرت آماله عن فعاله * وليس على الحر الكريم سوى الجهد
هذا المديح أقرب للديانة من الكرم ، فإن عطاؤه إنما هو من أجل الوفاء بعده من اللّه حتى لا يكون من الذين ينقضون عهد اللّه ، والكريم سجيته الكرم ، فلا يحتاج إلى القسم عليه إلا لعلّة لنفسه ، فما وفّى هذا الشاعر مدح هذا في الكرم ما تصوّر له في خاطره ، فهذا اللفظ دون ما في القصد .
وقال الآخر في هذا الباب :
أرى نفسي تتوق إلى أمور * يقصّر دون مبلغهنّ مالي
فنفسي لا تطاوعني لبخل * ومالي لا يبلّغي فعالي
وقال آخر :
إذا ما أتاه السائلون توقّدت * عليه مصابيح الطلاقة والبشر