أيها الفاصد رفقا * بأمير المؤمنين
إنما تفصد عرقا * فيه محيا العالمين
فأعجب الخليفة به ، وأمر لصاحبه بألفي دينار ، وقال : لو زاد زدناه .
وحكي أن ابن اللبانة كان وزيرا للمعتمد بن عبّاد ملك الأندلس ، فلما قبض على المعتمد وتفرّق شمله ، مرّ ابن اللبانة على بعض أولاده بدكان صائغ وهو ينفخ في الفحم ، فبكى وتذكّر ما كان فيه من الملك والنعمة ، فقبّل يديه ، وأنشده لنفسه :
صرفت في آلة الصيّاغ أنملة * لم تدر إلا الندى والسيف والقلما
للنفخ في الصور هول ما حكاه سوى * هول رأيتك فيه تنفخ الفحما
يد عهدتك للتقبيل تبسطها * فتستقلّ الثريّا أن تكون فما
وددت إذ نظرت عيني إليك به * لو أن عينيّ تشكو بعد ذلك عما
ما حطّك الدهر لما حطّ من شرف * ولا تحيف من أخلاقك الكرما
لح في العلا كوكبا إن لم تلح قمرا * وقم بها ربوة إن لم تقم علما
واصبر فربّما أحمدت عاقبة * من يلوم الصبر يحمد غبّ ما لزما
واللّه لو أنصفتك الشمس لانكسفت * ولو وفي لك دمع العين لانسجما
فعمل في قلبه كلامه ، وثار بقلعة مراكش ، وأقام بها إلى أن قتل .
وذكر الفتح بن خاقان أن الراضي ولد المعتمد بن عبّاد سلطان الأندلس كان معتكفا على درس العلوم والاشتغال بها ، فأراد منه أبوه المعتمد على اللّه محمد بن عبّاد أن يقدّمه على جيش لمحاربة بادس بن حبوس بغرناطة ، فتمارض الراضي على أبيه ، وامتنع لشغفه بالعلم ، فخرج المعتمد بنفسه لمحاربته ، وتخلّف ابنه الراضي ، فاتفق أن هزمه العدو فعاد إلى إشبيلية ، وهجر ابنه الراضي ، فكتب إليه ابنه الراضي يقول :
لا يكثرنك خطب الحادث الجاري * فما عليك بذاك الخطب من عار
ما ذا على ضيغم أمضى عزيمته * إن خانه حدّ أنياب وأظفار
عليك للناس أن تبقى لهم سندا * وما عليك لهم إسعاد أقدار
لو يعلم الناس حقا أن تدوم لهم * لم يتحفوك بشيء غير أعمار
فأجابه أبوه المعتمد على اللّه يهزأ به :
الملك في طيّ الدفاتر * فيجلّ عن قود العساكر
طف بالسرير مسلّما * وارجع لتوديع المنابر
وازحف إلى جيش المعا * رف تهزم الحبر المقامر