له في ذرى المعروف نعمى كأنها * مواقع ماء المزن في البلد القفر
ينظر إلى البيت الأول قول زهير :
تراه إذا ما جئته متهللا * كمثل الذي يعطي الذي أنت سائله
فإن مدحه بالفرح بما يعطي نقص به إذا جاء مطلقا ، فلو قيّده من أجل ما يجد ما يعطي لكان أشعر .
ومن جيّد الشعر ما قال القائل :
لئن ساءني أن نلتني بمساءة * لقد سرّني أني خطرت ببالك
لأن الأول قد أقرّ بأنه إساءة ثم اعتذر .
ومن حسن الشعر ما قال الآخر في باب الشكوى :
فالليل إن وصلت كالليل إن هجرت * أشكو من الطول ما أشكو من القصر
وأحسن منه ما قلنا :
شغلي بها وصلت الليل أو هجرت * فما أبالي أطال الليل أو قصرا
فإن الأول شغله بطول الليل وقصره من أجلها ، فهو فاقد لها في زمن الاشتغال بغيرها ، والثاني شغله بها ومن سواها تبغ .
وأحسن منه ما قلنا :
ولقد هممت بقتلها من حبها * كيما تكون خصيمتي في المحشر
فإن الأول جعله مطلوبا قد نهب حقها ولا تخاصم ، والثاني جعل الحق له ، وجعل المحبوب المطلوب ، فالخصومة لازمة .
حدثني عبد اللّه بن رحلون الساري قال :
علّم بعض الشعراء من أصحابنا زرزورا الكلام حتى نطق لسانه ، فعلّمه الدعاء لخليفة الوقت ، وسورا من القرآن . ومن جملة ما علّمه بيتان في الفصد ، وأحضر بين يدي الزرزور هيئة الفصد وحركاته ، حتى ارتسمت في خياله ، فصار الزرزور إذا رأى تلك الحالة أنشد البيتين ، ثم أعلم حاجب الإمام بذلك ، ودفع إليه الزرزور . فلما علم الحاجب أن أمير المؤمنين يفتصد استأذن في إدخال الزرزور عليه ، فأذن له ، فأحضر الزرزور في قفصه ، قال : النصر والتمكين لأمير المؤمنين . فلما جاء الفاصد ، ورأى الآلات قد حضرت ، وأخرج أمير المؤمنين يده للحجّام ، وأخذ المبضع ، وهمّ أن يفصده ، نطق الزرزور فقال :