صانعها ومظهرها ، منه مبدأها ، وإليه مرجعها ، كما أظهرها ذرّا . ثم تلا :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى
. هو يا أبا طالب لوجوده المحرك ، والناطق الممسك ، إن نظرت يا أبا طالب بالحقيقة تلاشت الخليقة ، الوجود به قائم ، وأمره في مملكته دائم ، وحكمه في وجوده عام . حكم الأرواح في الأجسام ، فالحواس به بانت على اختلاف أنواعها ، اللسان منها للبيان ، وهو مع ذلك لا يشغله شأن عن شأن .
يا أبا طالب ، لما أمدّني بسره غرف فؤادي من بحره ، فامتلأ وجودي نورا ، وأثمر غيبة وحضورا ، وسقيت شرابا طهورا ، ففني ما كان باطلا وزورا ، فغشيت أنواره أخلاقي ، ونظرت إلى الباقي بالباقي .
ثم قال : هو الموصوف بالقدم ، ومخترع الوجود من العدم ، بنور جلاله أشرقت الظلم ، وهو ولي الكرم
الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
، وصلى اللّه على سيدنا محمد سراج الظلم .
وروينا من حديث ابن باكويه ، عن أحمد بن عبد اللّه بن عبد المؤمن ، نبأ إسماعيل بن القاسم ، نبأ عبد اللّه بن مبويه ، عن عبد الرحيم الدبيلي ، عن عثمان بن عمارة قال : وردت الحجر مرة فإذا أنا بمحمد بن ثوبان ، وإبراهيم بن أدهم ، وعبّاد المنفري ، وهم يتكلمون بكلام لا أعقله ، فقلت لهم : رحمكم اللّه ، بي شأن كما تروني ، أصوم النهار ، وأقوم الليل ، وأحجّ سنة ، وأغزو سنة ، ما أرى في نفسي زيادة ، فشغل القوم عني ، حتى ظننت أنهم لم يفهموا كلامي . ثم كانت من واحد منهم التفاتة فقال : يا غلام ، إن همّ القوم لم يكن في كثرة الصلاة والصوم ، وإنما كان همّ القوم في نفاذ الأبصار حتى أبصروا .
وروينا من حديث ابن باكويه أيضا ، عن عيسى بن عمر ، عن أحمد بن محمد القرشي ، عن إبراهيم بن عيسى ، عن موسى بن عبد الملك المروزي قال : قال مالك بن دينار : بينما أنا أطوف بالبيت إذ أنا بامرأة في الحجر قد رفعت صوتها ، واستغرقت في حالها ، مناجية ربها ، وهي تقول : أتيتك من شقة بعيدة ، مؤملة لمعروفك ، فأنلني معروفا من معروفك تغنيني به عن معروف من سواك ، يا معروفا بالمعروف . فعرفت أيوب السختياني ، فسألنا عن منزلها ، وقصدناها وسلّمنا عليها ، فقال لها أيوب : قولي خيرا يرحمك اللّه ، قالت : وما أقول ؟ أشكو إلى اللّه قلبي وهواي ، قد أضرّا بي ، وشغلاني عن عبادة ربي . قوما فإني أبادر طي صحيفتي . قال أيوب : فما حدّثت نفسي بامرأة قبلها ، فقلت لها : لو تزوجت رجلا يعينك على ما أنت فيه . قالت : لو كان مالك بن دينار وأيوب السختياني ما أردته . فقلت : أنا مالك بن دينار وهذا أيوب السختياني . فقال : أفّ لكما ،