تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
قال أبو عبيدة : فعدت إلى أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما ، فنصصت القول على غرّه ، ولم أختزل شيئا من حلوه ومرّه ، وذكرت غدوه إلى المسجد . فلما كان صباح يومئذ وافى عليّ فخرق إلى أبي بكر فبايعه ، وقال خيرا ، ووصف جميلا ، وجلس زمينا ، واستأذن للقيام ونهض ، فشيّعه عمر تكرمة له ، واستئثارا لما عنده . فقال له عليّ : ما قعدت عن صاحبكم كارها له ، ولا أتيته فرقا منه ، وما أقول ما أقول تعلّة ، وإني لأعرف مسمى طرفي ، ومخطى قدمي ، ومنزع قوسي ، وموقع سهمي ، ولكني قد أزمت على فأسي ثقة باللّه في الإبالة في الدنيا والآخرة . فقال له عمر : كفكف عزبك ، واستوقف سربك ، ودع العصا بلحائها ، والدّلا برشائها ، فإنّا من خلفها وورائها ، إن قدحنا أورينا ، وإن منحنا أروينا ، وإن جرحنا أدمينا ، وإن نصحنا أربينا ، ولقد سمعت أماثيلك التي لغوت بها عن صدر آكل بالجوى ، ولو شئت لقلت على مقالتك ما إذا سمعته ندمت على ما قلته ، زعمت أنك قعدت في كسر بيتك لما وقدك به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بفراقه . أفراق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقدك وحدك ، ولم يقد سواك ؟ بل مصابه أعظم وأعز من ذلك ، فإن من حق مصابه أن لا يصدع شمل الجماعة بكلمة لا عصام لها ، ولا يزرى على أخيارها بما لا يؤمن كيد الشيطان في عقباها . هذه العرب حولنا ، واللّه لو تداعت علينا في مصبح يوم لم نلتق في ممسى . وزعمت أن الشوق إلى اللحاق به كاف عن الطمع في غيره ، فمن الشوق إليه نصرة دينه ، ومؤازرة أولياء اللّه تعالى جده ، ومعاونتهم فيه . وزعمت أنك عكفت على عهد اللّه عز وجل تجمع ما تبدّد منه ، فمن العكوف على عهده النصيحة لعباده ، والرقّة على خلقه ، وبذل ما يصلحون به ، ويرشدون إليه . وزعمت أنك لم تعلم أن التظاهر عليك واقع ، ولك عن الحق الذي سبق إليك دافع . فأي تظاهر وقع عليك ؟ وأي حق لك ليط دونك ؟ قد علمت ما قالت الأنصار لك بالأمس سرّا وجهرا ، وما تقلبت عليه بطنا وظهرا . فهل ذكرتك أو أشارت بك أو وجدنا رضاها عندك ؟ هؤلاء المهاجرون من الذي قال بلسانه تصلح لهذا الأمر ، أو أومأ بعينه ، أو همهم في نفسه ؟ أتظن أن الناس قد ضلوا من أجلك وعادوا كفارا زهدا فيك ؟ وباعوا اللّه عز وجل ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تحاملا عليك ؟ لا واللّه ولكنك اعتزلت تنتظر الوحي ، وتتوكف مناجاة الملك لك . ذلك أمر طواه اللّه عز وجل بعد محمد صلى اللّه عليه وسلم . أكان الأمر معقودا بأنشوطة أو
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار — صفحة 127 | محمد عبد الكريم النمرى / ابن عربي