تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
ومهما شككت فيه فلا تشك ، إن يد اللّه مع الجماعة ، ورضوانه لأهل الطاعة ، فادخل فيما هو خير لك اليوم ، وأنفع لك غدا ، وألفظ من فيك ما تعلّق بلهاتك ، وانفث سخيمة صدرك عن ثقاتك . فإن لم يكن في الأمد طول ، وفي الأجل فسحة ، فستأكله مريا أو غير مريء ، وستشربه هنيا أو غير هنيء ، حين لا رادّ لقولك إلا من كان منك ، ولا تابع لك إلا من كان طامعا فيك ، يمض أهابك ، ويفري قادمتك ، ويزري على هديك ، هناك تقرع السن من ندم ، وتجرع الماء ممزوجا بدم . وحينئذ تأسّ على ما مض من عمرك ، ودارج قومك ، فتودّ أن لو سقيت بالكأس التي أبيتها ، ورددت للحال التي استبريتها ، وللّه تعالى فينا وفيك أمر هو بالغه ، وغيب هو شاهده ، وعاقبة هو المرجو لضرّائها وسرّائها ، وهو الولي الحميد ، الغفور الودود . قال أبو عبيدة رضي اللّه عنه : فمشيت مزملا أتوجّأ كأنما أخطو على أمّ رأسي ، فرقا من الفرقة ، وشفقا على الأمة ، حتى وصلت إلى عليّ في خلاء فأبثثته بثي كله ، وبرئت إليه منه . ورفقت له . فلما سمعها ووعاها وسرعت في أوصاله حمّياها ، قال : حلت مغلوطه ، وولت مخروطه ، حل لا حليت النفس ، أدنى لها من قول أما :
إحدى لياليك فهيسي هيسي * لا تنعمي الليلة بالتعريس
نعم يا أبا عبيدة ، أكل هذا في أنفس القوم يحثون عليه ويطبّعون به ؟ قال أبو عبيدة : فقلت : لا جواب لك عندي ، إنما أنا قاض حق الدين ، وراتق فتق الإسلام للمسلمين . وساد ثلمة الأمة ، يعلم اللّه ذلك من خلجان قلبي ، وقرارة نفسي . قال علي رضي اللّه عنه : واللّه ما كان قعودي في كسر هذا البيت قصدا للخلافة ، ولا إنكارا للمعروف ، ولا رزاية على مسلم ، بل لما وقدني به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بفراقه ، وأودعني من الحزن بفقده ، وذلك أني لم أشهد بعده مشهدا إلا جدد لي حزنا ، وذكرني شجوا ، وإن الشوق إلى اللحاق به كاف عن الطمع في غيره ، فقد عكفت على عهد اللّه أنظر فيه ، وأجمع ما تفرّج منه ، رجاء ثواب معدّ لمن أخلص عمله ، وسلّم لعلمه ومشيئة ربه ، على أني ما علمت أن التظاهر عليّ واقع ، ولا عن الحق الذي سبق إليّ دافع ، وإذا قد أفعم الوادي بي ، وحشد النادي من أجلي ، فلا مرحبا بما ساء أحدا من المسلمين . وفي النفس كلام : لولا سابق قول وسالف عهد لشفيت غيظي بخنصري وبنصري ، وخضت لجّته بأخمصي ومفرقي ، لكني ملجم إلى أن ألقى ربي عز وجل ، وعنده أحتسب ما نزل بي ، وأنا عادل إلى جماعتكم ، ومبايع لصاحبكم ، وصابر على ما ساءني وسرّكم ، ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا ، وكان اللّه على كل شيء شهيدا .