وأحال عقولها ، واستلّ من صدورها حميتها ، وانتزع من أكبادها عصبيتها ، وانتكث رشاها ، وانتضب ماءها ، وأضلها عن هداها ، وساقها إلى رداها ، وجعل نهارها ليلا ، ووزنها كيلا ، ويقظتها رقادا ، وصلاحها فسادا ، إن كان هكذا إن سحره لمبين ، وإن كيده لمتين . كلا واللّه بأي خيل ورجل ، وبأي سنان ونصل ، وبأي قوة ومنة ، وبأي ذخر وعدة ، وبأي أيد وشدة ، وبأي عشيرة وأسرة ، وبأي تدرّع وبسطة ، لقد أصبح عندك بما وسمته منيع العقبة ، رفيع العتبة . لا واللّه ولكن سلا عنها فولهت إليه وتطامن لها فلصقت به ، ومال عنها فمالت إليه ، واشتمل دونها فاشتملت عليه . حبوة حباه اللّه بها ، وعاقبة بلّغه اللّه إياها ، ونعمة سربله اللّه جمالها ، ويد أوجب عليه شكرها ، وأمة نظر اللّه به لها . ولطالما حلقت فوقه في أيام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو لا يلتفت لفتها ، ولا يرتصد وقتها . واللّه أعلم بخلقه ، وأرأف بعباده ، يختار ما كان لهم الخيرة ، وإنك بحيث لا يجهل موضعك من بيت النبوة ، ومعدن الرسالة ، وكهف الحكمة ، ولا يجحد حقك فيما آتاك ربك ، ولكن لك من يزاحمك بمنكب أضخم من منكبك ، وقرب أمسّ من قربك ، وسنّ أعلى من سنك ، وشيبة أروع من شيبتك ، وسادة لها عرف من الجاهلية ، وفرع من الإسلام والشريعة ، ومواقف ليس لك فيها من جمل ولا ناقة ، ولا تذكر منها في مقدمة ولا ساقة ، ولا تضرب فيها بذراع ولا إصبع ، ولا خرج منها ببازل ولا هبع . فإن عذرت نفسك فيما تهدر به شقشقتك من صاغيتك ، فاعذرنا فيما تسمع منا في لين وسكون ، مما لا تبعده منه ولا تناضله عليه . ولئن خزيت بهذا نفسك ، لينتخشنّ عليك ما ينسيك الأولى ، ويلهيك عن الأخرى . ولو علم من ضنا به بما في أنفسنا له وعليه ، لما سكن ، ولا اتخذت أنت وليجة إلى بعض الأرب .
فأما أبو بكر الصدّيق فلم يزل حبه سويداء قلب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وعلاقة همه ، وعيبة سرّه ، ومثوى حربه ، ومفزع رأيه ومشورته ، وراحة كفه ، ومرمق طرفه ، وذلك كله بمحضر الصادر والوارد من المهاجرين والأنصار ، شهرته مغنية عن الدلالة عليه .
ولعمري إنك أقرب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قرابة ، لكنه أقرب قربة ، والقرابة لحم ودم ، والقربة روح ونفس . وهذا فرق قد عرّفه المؤمنون ، وكذلك صاروا أجمعين .
أجمعين هاهنا ليست التي يراد بها التوكيد ، إنما هي المستعملة في قول العرب : جاء القوم بأجمعهم . وكان الأصمعي يقول : إنما هو بأجمعهم بضم الميم لأن المفتوحة الميم لا تضاف ولا تكون إلا مؤكّدة . وخالفه ابن الأعرابي في ذلك وأجاز فتح الميم وقال :
ليست هذه تلك ، كما أن كلا ، المستعملة في قولنا : كل القوم ذاهب ، ليست المستعملة في قولنا : مررت بالقوم كلهم .
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار — صفحة 125
مساهمون: محمد عبد الكريم النمرى
ص١٢٥