الأحوال محبّة منهم لإرادته وموافقة لرضاه ساخطين على أنفسهم معرفة منهم بحقه واستعدادا للعقوبة بعدله عليهم ؛ فأدّاهم ذلك إلى الامتلاء منه ، فلم تسع عروقهم ومفاصلهم وقلوبهم محبّة لغيره ، ولم يبق زنة خردلة منهم خالية منه ولا باقيا فيهم سواه ، فهم له بكليتهم وهو لهم حظ في الدنيا والآخرة ، وقد رضي اللّه عنهم ورضوا عنه وأحبهم فأحبوه ، فكانوا له وكان لهم وآثروه وآثرهم وذكروه وذكرهم ،
أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
« 1 » . فصاح عند ذلك ذو النون ثم قال : أين هؤلاء وكيف الطريق إليهم وكيف المسلك ؟ فصاح به يا أبا الفيض الطريق مستقيم والمحجة واضحة ، فقال له : صدقت واللّه يا أخي ، فالهرب إليه ولا تعرّج إلى غيره .
ومما يدل على كمال عقله :
ما حدثنا عبد الرحمن بن علي إجازة حدثنا المحمدان ابن ناصر وابن عبد الباقي قالا : حدثنا حمد بن أحمد حدثنا أحمد بن عبد اللّه محمد بن إبراهيم يقول : سمعت محمد بن زبان يقول : سمعت ذا النون يقول - وجاءه أصحاب الحديث فسألوه عن الخطرات والوساوس - فقال : أنا لا أتكلم في شيء من هذا فإن هذا محدث ، سلوني عن شيء من الصلاة أو الحديث . قوله محدث أي لم يكن الكلام على مثل هذا على عهد النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم ، فكان جوابه على قدر ما رأى منهم وتفرّس فيهم في الوقت .
هامش
( 1 ) سورة المجادلة ، الآية 22 .