تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكوكب الدري في مناقب ذي النون المصري — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
بينهما المعرفة يوم ورودهما على شاطىء نهر القلق ، فسقيت النفوس بكأس الومق ، فلا تعرف الأرواح إلّا الشوق والأرق ، فغمست حبّه قلوبهم في لجج الاشتياق ، وأمزجت نفوسهم في رياض الاحتراق ، فعند ذلك النفوس عارفة بأرواح العارفين ، وتأنس إلى إخوانها لما وقع بينهما المعرفة في ساحة المفاوضة والرّكض في ميادين المحبّة . فقلت : حبيبي متى ينال العبد الإخلاص ؟ قال : إذا خشي الحساب والقصاص يوم يؤخذ باللحى والنواصي . قلت : فما علامة الوجد والقلق ؟ قال : أن تكون ليلك ساهرا باكيا فإنه من كان على ما ذكرت لم يتهنأ بنوم ولم يأكل ولم يشرب لاحتراق قلبه ، فإن الأعين لا تنام لما في صدورها من نيران الصبّابة ، وتركني ومضى « 1 » .

حكمة ومعرفة ، وبه قال :

وسمعته : يقول : كنت جالسا عند ذي النون فسأله سائل : يا أبا الفيض من أذلّ خلق اللّه ؟ قال : الفقير الطّمع ، والمحبّ لمحبوبه ، والضيف في بيت اللئيم . يقول : دخلت بإذن ، وخرجت بإذن ، ولعمري هذا في غاية الذلّ في لسان الظرف ، فأنا في لسان الجدّ . فقال : من أذلّ ممن هو أوّله نطفة وآخره جيفة ؟ وقد ألزم الحجّة وعدى من القدرة ، ومن يأكله في حياته أذلّ من الذّباب وهو القمل ، وفي مماته أضعف من الدّواب وهو الدّود ، من يدري أين ولدّ ولا يدري أين يموت ؟ « 2 »
هامش
( 1 ) الخطيب البغدادي ، تاريخ بغداد ، 8 / 393 ، والغزالي ، 4 / 354 ، وابن عساكر ، 5 / 273 . ( 2 ) ابن الجوزي ، 4 / 382 .
الكوكب الدري في مناقب ذي النون المصري — صفحة 227 | ابن عربي / عبد الحميد صالح حمدان