تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكوكب الدري في مناقب ذي النون المصري — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
باللّه عن الاشتغال بغيره حتى اتّصل خوفه ورجاؤه باللّه ، فإنه لا مانع ولا معطي إلّا اللّه ، فلا ترغب عن اللّه بجهلك فتخضع لمن دونه عند تخويف الشيطان ، واعلم أنّ أخصّ المتوكلين عليه يحجب عنهم كل آفة ، فهم ينظرون إلى اللّه تعالى ولا يؤملون غيره ، فقد حجب قلوبهم عن من سواه بما يرجون من إحسانه ، واستغنوا بذكره عن ذكر غيره ، واعلم أنك لا تكون متوكلا حتى تصفو من كل ملك ولا ترى إلّا اللّه ، ولا تقدر أن تفرّ من رزقك كما لا تقدر أن تفرّ من الموت ، أما سمعت اللّه يقول :
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
« 1 » . فاقطع الاشتغال بذكر الأسباب من قبلك ، واعلم أن اللّه تعالى يرزقك بسبب وبغير سبب ألا ترى أنه وعدك أن يرزقك وغيّب عنك علمه ، ولو احتلت بكل حيلة أن يأتيك قبل وقته أو بعد وقته لم تقدر على ذلك فما قسم لك لا يمنعك غيره ، والتوكّل يزيد وينقص مثل الإيمان .

مكاتبة عرفانية :

قال محمد بن فارس الصّوفي : سمعت أبا القاسم عبيد اللّه بن عبد اللّه الرّقي قال : كنت عند أبي عبد اللّه بن الجلّاء وكتب إلى ذي النون كتابا يذكر فيه : دلّني على أفضل من بقي في الوقت ؟ فكتب إليه ذو النون : هو الذي فنيت إرادته واحترقت حظوظه . فكتب إليه : تعرف من هو أفضل من هذا ؟ فكتب إليه : هو من كانت له حال لا له ولا عليه ، فلا منه ولا إليه .
هامش
( 1 ) سورة الروم ، الآية 40 .