عجبت لها تشكو الغرام جهالة * وقد جاوبت فيما تناجي به إلفا
فلو صدقت فيما تقول من الهوى * لما لبست طوقا ولا خضّبت كفّا
تذيب قلوب العاشقين بنوحها * وما فهموا ممّا تغنّت به حرفا
ثم قال : خذها يا ذا النون فما رأيت مدّعيا كذّابا يشبهك إلّا هذه الحمامة فأخذتها وانصرفت ، وهذا أعجب ما رأيت في سياحتي ، ولمّا أملى علينا هذه الحكاية وانتهى إلى قوله في الشعر :
فشر بعود من الكبريت نحو فمي * وانظر إلى زفراتي كيف تلهبه
قال حدّثني الشيخ العابد هارون بسنجار . قال : بينا أنا ذات ليلة في دكاني كأنه الحبّة في المقلى من القلق والاحتراق فقال لي : يا هارون قم فأتني بمن ينشد شيئا ؟ قال هارون : فتكاسلت ثم قلت : واللّه لأقومنّ ولأخالفنّ نفسي ، فقمت فجئت بجماعة من أصحابنا وقوّال قال ، وكان عندنا في الدكّان رجل يقال له حسيسن كان يرمي بالجنون فقال القوّال :
وطاب وقتنا ، فقال لنا حسيسن أنشدوا إلى ما أقول :
خرّج كتابك من العناية * ترك عنك الغنى عسايه
وأبيات من هذا القبيل من قوله يخاطب بها نفسه ، فما زال القوّال يرددها حتى قال لنا ، وهو هائج : احترقت الجبّة . احترقت الجبّة ثم نزعها ورمى بها قال هارون : فعند ما ألقاها رأينا واللّه الدخّان صاعدا منها .
فعند ما حدثنا أبو غانم بهذه الحكاية تصديقا للبيت تذكّرت ما حدّثنا به الثّقة عندي قال : كنت عند الشيخ العارف أبي إسحق إبراهيم بن طريف « 1 »
هامش
( 1 ) انظر روح القدس لابن عربي ، ص 119 - 120 .