ومنهم - رضي اللّه عنهم - امرأة سائحة محبّة لقيها في التيه :
أخبرنا بالإسناد عن أحمد بن عبد اللّه بن ميمون قال : سمعت ذا النون ابن إبراهيم يقول : كنت في تيه بني إسرائيل ومعي صاحب لي ، وبأسانيد أيضا عن سعيد بن عثمان قال : كنت مع ذي النون في تيه بني إسرائيل فبينا نحن نسير إذا أنا بشخص قد أقبل ، فقلت يا أستاذ : شخص .
فقال : انظر ، فإنه لا يضع قدمه في هذا المكان إلّا صديق فنظرت فإذا امرأة ، فقلت : إنها امرأة صدّيقة وربّ الكعبة ، فابتدرها فسلّم عليها فردّت السلام ، ثم قالت : ما للرجال ومخاطبة النساء ؟ فقال لها : إنّي أخوك ذو النون ولست من أهل التهم . فقالت : مرحبا حيّاك اللّه بالسلام . فقال لها : ما حملك على الدّخول إلى هذا الموضع ؟ قال : آية في كتاب اللّه قوله عز وجل :
أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها
« 1 » فكلما دخلت إلى موضع يعصى فيه لم يهنني القرار فيه بقلب قد أذهلته شدة محبّته ، وهام بالشوق إلى رؤيته فقال لها : صفي لي المحبّة ؟ فقال : يا سبحان اللّه أنت عارف تتكلم بلسان المعرفة تسألني ؟ فقال : يحقّ للسائل الجواب . فقالت :
نعم المحبة عندي لها أول وآخر ، فأوّلها لهج القلب بذكر المحبوب ، والحزن الدائم ، والشّوق اللازم ، فإذا صاروا على أعلاها شغلهم وجدان الخلوات عن كثير من أعمال الطّاعات ، ثم أخذت في الزّفير والشّهيق وأنشأت تقول :
حبّك حبّين حبّ الهوى * وحبّا لأنك أهل لذاك
هامش
( 1 ) سورة النساء ، الآية 97 .