ودكدكت الضمير فاختلفا جميعا فالتويا فعرفا طريق الرضاء ، منحهم بالألفة إليه فوهب لهم هبة ثم ألحقهم بتحفة الرضاء ، فماجت في بحار قلوبهم موجة ، فهيّجت منها اللذة لابل هيّجت منها هيجان اللذات ، فشخصت بالحلاوة التي أتحف على من أتحفها ، فمّرت تطير من خوف الجوى فأي طيران يكون أبهى من قلوب تطير إلى سيّدها ؟ لقد هبّت إليه بلا أجنحة ومن يردّها وهو يدعوها إليه ؟ لقد فتح لها الباب حين هبّت إليه طائرة فدخلت قبل أن تقرع الباب لقد مهّد لها مهادا فتنزهت في روح رياض قدسه ، فهي له ومعه . فقال ذو النون : زدت الجرح قرحا وقتلت مما أوجعت يا هذا . ما صحبت صاحبا منذ صحبته ، أصحبك اليوم . قلت :
فقم بنا . فقمنا جميعا نسير بلا زاد فلمّا أوغلنا في البريّة وطوينا ثلاثا قال لي : قد جعت ؟ قلت : نعم . قال : فأقسم عليه حتى يطعمك . قلت : لا والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة لا سألته شيئا إن شاء أطعم وإن شاء ترك . قال :
فتبسّم ، وقال : امض الآن فقد أفيض علينا من أطايب الأطعمة ولذائذ الأشربة حتى دخلنا مكّة سالمين . ثم فارقني وفارقته . قال يوسف : فلقد رأيت ذا النون كلّما ذكره بكى وتأسفّ على صحبته .
ومنهم - رضي اللّه عنهم - صبي من أهل اليقين لقيه في التّيه :
أخبرنا يونس بن يحيى حدثنا ابن أبي منصور حدثنا أبو الفضل بن أحمد حدثنا أحمد بن عبد اللّه حدثنا أحمد بن إسحاق قال : سمعت عمر بن بحر الأسدي قال : سمعت أبا الفيض يقول : كنت في تيه بني إسرائيل أريد الحج فرأيت غلاما أمرد على المحجّة يؤم البيت العتيق بلا زاد ولا راحلة فقلت لرفيقي : إنّا للّه إن كان مع هذا الغلام يقين وإلّا هلك . فلحقته