وآنسوا بغيره ، وركنوا إلى الدنيا وتقلّب حالاتها وكثرة آفاتها ، ولا زادتهم الدنيا إلّا هوانا ولا ازدادوا لها إلّا إكراما ؟ ! فما مستيقظ من وسنته يخلع ويثق الغلّ من عنقه ، ويهتك جلباب الرّان عن قلبه ، وإن من أنصح النصحاء لك يا أخي من حملك من أمرك على المحجّة ، وأمرك بالرّحلة ، ولم يحسن لك سوف وأرجو ولعلّ ويكون ، فما رأيت هذه الخصال يورث صاحبها إلّا الخسارة والنّدامة ، فكابدوا التّسويف بالعزم ، وبادروا التفريط بالحزم ، فقد وضح لكم الطريق ، واللّه المستعان والمرشد والدليل .
وقال أيضا : سمعت ذا النون وقد سأله رجل فقال له : يرحمك اللّه ما أعون ما يجده العبد على تسكين الشّهوة ؟ قال : الصيام بالنهار ، والقيام بالليل ، وحذف الشهوات والإغفال عنها ، وترك محادثة النفس بذكرها .
فقال له السائل : فإن الرجل يصوم بالنهار ويقوم بالليل ولا يأكل الشّهوات ويجد في نفسه حركة واضطرابا . فقال له : ذلك من فرط فضل شهوة مقيمة فيه من الأول ، فليقطع أسباب المادّة فيها جهده ويسكّنها عن نفسه بالهموم والأحزان ، ويسكّن سلطانها بذكر الموت ، فإن القوم ما وجدوا شيئا هو أعون لهم على الزّهد فيها والانقطاع عنها والتّخلّي منها من ذكر الموت ، وتقريب الأجل ، وقصر الأمل وما يشغل القلوب . اقطع عن نفسك الشّهوات ، واستقبل المراقبة لمن هو عليك رقيب ، والمحافظة على طاعة من هو عليك حسيب ، نسأل اللّه عز وجلّ التوفيق على بلاغ الطريق ، والخروج من كلّ ضيق إنه قوى شفيق . وبالإسناد عن سعيد بن عثمان قال : سمعت ذا النون يقول : من وثق بالمقادير استراح ، ومن صحّح
الكوكب الدري في مناقب ذي النون المصري — صفحة 122
مساهمون: ابن عربي
ص١٢٢