بالشيء المقدور عليه ، لا ذات المقدور ، ولا معنى للعلم القديم إلّا الإحاطة بالمعلوم المعدوم « 1 » ، علما قبل وجوده موجودا ذاتا وعينا ،
أَ لا يَعْلَمُ مَنْ
[ 23 / آ ]
خَلَقَ ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
« 2 » .
وبهذا الاعتبار لزم أن يكون الله تعالى أقرب من الشيء إلى نفس الشّيء ، لأنّه تعالى متقدّم عليه ، فهو أقرب منه إليه علما ، كما أنّه أسبق منه له وجودا ، وأقدر عليه منه إيجادا ، فلمّا كان الشّيء معدوما ، كان الشّيء جاهلا بإيّاه « 3 » علما ، وكان اللّه تعالى عالما به إحاطة ، فكما أنّ اللّه أقرب من الشّيء إلى الشّيء علما ، فكذلك هو أقرب إليه منه مطلقا ، أعني بكلّ وجه أزلا وأبدا ، إذ البعديّة والقبليّة من جهة البارئ واحدة في العلم والقدرة ، ومن البيّن أنّ بالنّور ظهر الوجود ، ولكلّ شيء نوريّة باطنة ، قابلها نور ظاهر ، أظهر النّور ، عيّن الشّيء ، ودلّ الشّيء على نوريّته بعدت أم قربت .
ولمّا لزم عن نفس الأعيان نفس القدرة ، كانت الأعيان مظاهر القدرة ، ومحلّ تجلّياتها ، وألسن دواعيها ومخاطباتها ، والقادر سبحانه هو المتعالي عن كلّ شيء بذاته ، والمنزّه عن الحلول بمصنوعاته ، وعمّا يعقل من أسمائه وصفاته ، لكنه تعرّف بكلّ جزء « 4 » من مخلوقاته . ولمّا كان المعرّف أزليا لا ينحصر ولا يتناهى ، عاد التّعرّف سرمديّا لا ينقطع ولا يتناهى ، فكلّ معلوم تصوّرا أو نطقا ، وكل مشهود معاينة أو ذوقا بسائر تجلّياته ، وجميع مخاطباته ، داخل في باب تعرّفاته ، وإليها الإشارة بأنواع العبارة ، وهو الباطن بذاته ، والظّاهر بآياته وسائر مبتدعاته ، فلمّا كان أدنى من قولنا : جلّ وعلا من قولنا : جلّ « 5 » ، قال له القائل واصفا لمقامه في باب التّعرّف ، كاشفا بمقاله من باب التّلطّف .
هامش
( 1 ) في م : « والمعدوم » .
( 2 ) سورة الملك : 14 .
( 3 ) في م : « يأباه » .
( 4 ) في م : « بكل جزء وكلّ من مخلوقاته » .
( 5 ) ليس في م .