فذكر الصورة الحسية ، وما ذكر من القوى الروحانية شيئا ، ولا أنزل نفسه منزلتها ، لأن منزلتها منزلة الافتقار إلى الحواس . ومنزلة القوى الحسية منزلة الافتقار إلى اللّه تعالى . فلذلك لم ينزل نفسه منزلة من يفتقر إلى غيره . بل أنزل نفسه منزلة من يفتقر إليه سبحانه . فأعطى القوى الحسية الغنى عن القوى الروحانية . لأن القوى الروحانية تأخذ من القوى الحسية . والقوى الحسية لا تأخذ منها ، وإنما تأخذ من اللّه تعالى . فاعرف شرف الحس وقدره ، وأنه عين الحق تعالى . ولهذا لا تكمل النشأة الآخرة إلا بوجود الحس والمحسوس . لأنها ما تكمل إلا بالحق تعالى . فالقوى الحسية هم الخلفاء على الحقيقة ، في أرض هذه النشأة عن اللّه تعالى . ألا تراه سبحانه كيف وصف نفسه بكونه حيا عالما قادرا ، وباقي الصفات ، وهذه كلها لها أثر في المحسوسات . ويحس الإنسان من نفسه قوام هذه القوى به . ولم يصف الحق تعالى نفسه بأنه عاقل ولا مفكر ولا متخيل . وما أبقى من القوى الروحانية إلا ما للحس مشاركة فيه . وهو الحافظ والمصور . فلو لا الاشتراك ما وصف تعالى نفسه بهما .
فهما صفتان روحانية وحسية . فتنبه لما نبهناك عليه .
واعلم أن الشرف كله في الحس . وإنك جهلت أمرك وقدرك . فلو علمت نفسك علمت ربك . كما أن ربك علمك ، وعلم العالم ، بعلمه لنفسه . وأنك صورته فلا بد أن تشاركه تعالى في هذا العلم فتعلمه من علمك بنفسك . وهذه نكتة ظهرت من رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلّم . حيث قال :
« من عرف نفسه فقد عرف ربه » « 1 » . إذ كان الأمر في علم الحق تعالى علمه بنفسه .
وهذا نظير قوله تعالى :
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ
« 2 » .
هامش
( 1 ) - حديث : ( من عرف نفسه فقد عرف ربه ) .
قال ابن تيمية : حديث موضوع . وقال النووي : ليس بثابت . وقال أبو المظفر السمعاني في القواطع : إنه لا يعرف مرفوعا وإنما يحكى عن يحيى بن معاذ الرازي أنه قال : كتب الصوفية مشحونة به .
يسوقونه مساق الحديث .
والحافظ السيوطي له كتاب لطيف أسماه ( القول الأشبه في حديث من عرف نفسه فقد عرف ربه ) وقال النجم وقع في أدب الدنيا والدين للماوردي أنه عن عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها قالت : « من أعرف الناس بربه » قال : أعرفهم بنفسه . انظر كشف الخفاء ج 2 ص 262 حديث رقم 2532 وانظر المعجم الصوفي د . سعاد الحكيم ص 1261 وانظر « كتاب الأزل » لمحمد وفا ، بتحقيق سعيد عبد الفتاح ، ص 115 دار المتنبي - باريس - ط 1 .
( 2 ) - آية رقم ( 53 ) من سورة فصلت ، مكية .