( 195 ) مسألة أبواب الله
اعلم أن للّه تعالى أبوابا فتحها للخير ، وأبوابا أعدها لم يصل أوان فتحها للخير ، أيضا ، وأبوابا فتحها للآلام المعبر عنه بالعذاب ، لما يؤول إليه من أمر أصحابه ، فمتعذبه في آخر الحال . ألا ترى « إبراهيم » الخليل . صلّى اللّه عليه وسلّم . يقول :
يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ
« 1 » .
والرحمن لا يعني ألما موجعا ، إلا أن يكون في باطنه رحمة يستعذبها من قام به ذلك الألم . كشرب الدواء الذي يتضمن استعماله العافية . فما عند اللّه باب يفتح إلا أبواب الرحمة . غير أن ثمة رحمة ظاهرة لا ألم فيها ، وثم رحمة باطنة يكون فيها الألم ، في الوقت لا غير ، ثم يظهر حكمها في المآل . فالآلام أعراض ، واللذات ثوابت . فالعالم مرحوم بالذات ، متألم بما يعرض له .
وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ *
« 2 » ، يضع الأمور مواضعها ألا ترى الإنسان يضرب ولده ، ويؤلمه بذلك الضرب عقوبة لذنبه وهو يرحمه بباطنه . فإذا وفى الأمر حقه أظهر له ما كان في قلبه وباطنه من الرحمة والشفقة . ولهذا ورد في الخبر عن رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلّم في قصة طويلة يقول فيها : « وأن اللّه تعالى أشفق من هذه على ولدها » « 3 » وأشار إلى امرأة . وهذا
هامش
( 1 ) - آية رقم ( 45 ) من سورة مريم ، مكية .
( 2 ) - جزء من آية متكررة في القرآن .
( 3 ) - حديث : وأن اللّه أشفق من هذه على ولدها .
رواه عمر بن الخطاب وقال : قدم على النبي . صلّى اللّه عليه وسلّم ، سبي . فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها تسقي إذا وجدت صبيا من السبي فألصقته ببطنها وأرضعته فقال لنا النبي ( ص ) :
« أترون هذه طارحة ولدها في النار ؟
قلنا : لا ، وهي تقدر على ألا تطرحه .
فقال : للّه أرحم بعباده من هذه بولدها » .
وللحديث روايات أخرى . اخترنا منها هذه الرواية انظر اللؤلؤ والمرجان ، ص 240 ج 3 ، حديث رقم 1751 . وقال : أخرجه البخاري في كتاب الأدب 87 . باب ( رحمة الولد وتقبيله ومعانقته ) .