ابتداء لا نقدر على دفعه من نفوسنا . إذ وفقنا اللّه تعالى علمنا أن قوة نور الإيمان إعطاء ذلك . ولم نجد ترددا ، ولا طلبنا آية ولا دليلا على صحة ما وجدناه مكتوبا من القرآن ، ولا منقولا من الأخبار . علمنا قوة الإيمان الذي أعطانا اللّه سبحانه وتعالى عناية منه لنا . وكنا في هذه الحالة مؤمنين بالغيب الذي لا درجة للصحابة فيه ولا قدم . كما لم يكن قدم في قوة دفع ما يعطيه سلطان الحسد عند المشاهدة . فقابلنا هذه القوة بتلك القوة فتساويا ، وبقي الفضل في العلم ، حيث أخذناه من تجلي ثلث هذه الليلة المباركة ، التي لا نصيب لغير أهلها من الثلثين الماضيين فيها .
وهذا كله جبر لقلوبنا لما فقدناه من مشاهدة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكان خيرا . فإنا لا نعرف كيف كانت أحوالنا عند المشاهدة ، هل يغلبنا الحسد أو نغلبه ؟
وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً
« 1 » .
مسألة ( 190 )
اعلم أن الشفقة على العصاة أولى بالمراعاة من الغيرة الإلهية للّه تعالى . ألا ترى أعداء الدين كيف ضرب اللّه تعالى عليهم الجزية . وأمر بالصلح إبقاء لهم . وإذا كان الحق تعالى راعي هذه البنية مع كفرها ، فأنت أولى بمراعاتها مع معصيتها . ولأن الإنسان ما دام حيا ترجى له السعادة .
مسألة ( 191 )
اعلم أن الحكمة في دعوة الحق تعالى ، عباده للسجود يوم القيامة ، إنما هو رحمة لأهل الأعراف . ليثقل ميزانهم بهذه السجدة ، فينصرفون إلى الجنة . وكان منزلهم ، في سور الأعراف ليس لهم ما يدخلهم النار ، ولا ما يدخلهم الجنة .
هامش
( 1 ) - آية رقم ( 25 ) من سورة الأحزاب ، مدنية .