( 183 ) مسألة شيخ مرشد
إن لم تجر أفعالك على مراد غيرك ، لم يصح لك الانتقال عن هواك ولو جاهدت نفسك عمرك بما ترتبه عليها ، وإن صعب ولم تزل عن هواها فإنها المرتبة على نفسها ، وإن فتح لها في لطائف المكاشفة وضروب المشاهدة فلم تزل بذلك عن دعوتها التي لا يمكن خروجها منها إلا بانقياد إلى طاعة نفس أخرى مثلها ، وتصرفها تحت أمرها ونهيها . وذلك لكثافة حجابها وعظم إشراكها . ولذلك قال المحققون : « كل عمل لا يكون على أثر فهو هوى النفس » .
فآخر ما يخرج من قلوب الصديقين حب الرئاسة . وقال الحق تعالى « لأبي يزيد البسطامي » « 1 » في بعض مشاهدة معه : « تقرب إلي بما ليس لي : الذلة ، والافتقار » .
وهذا « 2 » إشارة إلى إزالة الرئاسة . فاسع يا بني في طلب شيخ يرشدك ، ويعصم خواطرك حتى تكمل .
مسألة ( 184 )
ينبغي للعبد أن يعتقد أن أعماله لم توصله إلى نيل المقامات . وإنما أوصله إلى ذلك رحمة اللّه تعالى به ، الذي أعطاه التوفيق للعمل والقدرة عليه والثواب . كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم :
« لا يدخل أحد الجنة بعمله . قيل له : ولا أنت يا رسول اللّه . قال : ولا أنا إن لم يتغمدني اللّه برحمته » « 3 » .
هامش
( 1 ) - ( أبو يزيد البسطامي ) : هو ( أبو يزيد طيفور بن عيسى البسطامي ) له من المؤلفات والكرامات ما سجلته كتب الصوفية جميعا وأقواله سبقته إلى الشهرة . وكان من أبناء الملوك فهجر الأموال والجاه إلى عالم الحقيقة ذائقا قال : « مددت ليلة رجلي في محراب أبي فهتف بي هاتف : من يجالس الملوك ينبغي له أن يجالسهم بحسن الأدب » . ( توفي سنة 261 ه ) .
انظر الطبقات الكبرى للشعراني ، ج 1 ص 65 .
( 2 ) - إشارة للقول السابق .
( 3 ) - حديث : ( لا يدخل أحد الجنة بعمله ) .