فإن الملائكة قد ورد الخبر بأنهم إذا سمعوا كلام اللّه تعالى غابوا عن حسهم ، وكذا سيدنا رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلّم . إذا نزل عليه جبريل عليه السلام ، بالوحي يغيب عن حسه . وهو بمعنى الصعق .
وأما سيدنا موسى ، عليه السلام ، فقد أخبر اللّه تعالى أنه قد وقعت المكالمة بينه وبينه مع ارتفاع الوسائط . وهذا المقام أعظم من مقام الوحي بارتفاع الواسطة ، ومع هذا لم يصعق ولم يغب عن حسه . فيقال : الفرق بين المقامين .
هو أن خطاب اللّه تعالى لموسى ، عليه السلام خطاب مقيد بجهة مسموع بأذن .
وليس لهذا الكلام الإلهي توجه على قلبه ، وليس لقلبه هنا إلا ما يتلقاه من جهة سمعه حسيا . وإنما يتلقاه بواسطة سمعه حسب ما جرت به العادة . ولم يتعد الحال حكمه في موسى عليه السلام .
وأما أمر سيدنا رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأمر الملائكة فهو إنما كان توجه الكلام الإلهي على قلوبهم . فلما اشتغلت قلوبهم بتلقيه ، وتفهمه غابوا عن إحساسهم لهيبة الخطاب .
( 175 ) مسألة تمييز الموحدين
اعلم أنه لو لم يسبق في علم اللّه تعالى أنه سيقع ادعاء شريك في مرتبة الألوهية ، في العالم السفلي لاستحال وقوع ادعائها لغير اللّه تعالى ، ومن المعلوم أنه وقع ادعائها لغير اللّه تعالى ممن لا خلاق له من بعض الآدميين دون بعضهم . فلو لم يقع ادعاؤها لغير مستحقها ، في العالم السفلي ، وكانوا كلهم عارفين بوحدانية الحق تعالى بكل اعتبار لما احتاجوا في توحيدهم للّه تعالى إلى داع يدعوهم إلى نفي شريك له تعالى في شيء من كمالاته . لأنه منتف عند جميعهم في نفس الأمر . ولكن لما وقع ادعاء شريك له في مرتبة الإلهية التي هي من مقتضيات ذاته تعالى دون غيره احتاج الموحدون في تمييزهم عن المشركين إلى كلمة تتضمن نفي الإلهية عن غير مستحقها .