وقال أيضا في قوله تعالى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ
« 1 » :
إنّ الغمام مطارح الأنوار * ولذاك أضحى أقرب الأستار
منه تفجرت العلوم على النهى * وبه يكون الكشف للأبصار « 2 »
فيه البروق وليس يذهب ضوءها * أبصارنا لتقدس الأبصار
فيه الرعود وليس يذهب صوتها * أسماعنا لتنزّه الأسرار
فيه الصواعق ليس يذهب رسمنا * إحراقها لعناية الآثار
فيه الغيوم وليس يهلك سيلها * أشجارنا لتحقق الإيثار
ما بعده شيء سوى مطلوبنا * ربّ الأنام مع اسمه الغفّار
فإذا انجلى ذاك الغمام فذاته * تبدو إلى الأنوار في الأنوار
والنور يدرج مثله في ضوئه * كالشمس لا تفني ضياء النار
فترى البصائر والعيون جلاله * وجماله في الشمس والأقمار
فافهم إشارتنا تفز بحقائق * تخفى على العقلاء والنظّار
وقال أيضا في باب السبحات الوجهية :
إذا بدت سبحات الوجه فاستتر * فالنور يذهب بالأعيان والأثر « 3 »
وانظر إلى من وراء النور مستترا * ترى الضياء فأمعن فيه بالبصر
وقل لقلبك أمسك عنه شاهده * فعند ردّك تلقى لذة النظر
وقال أيضا في باب التلوين في الدور الفلكي :
هذي المنازل والفؤاد الساري * فيها بحكم تصرّف الأقدار « 4 »
دارت به الأفلاك في فسحاتها * والكون في الأدوار بالأكوار
فإذا تحل بمنزل تهفو له * شوقا إليه مطارح الأنوار
فيمدّها بالفيض في غسق الدّجى * حتى يشمّر عسكر الأسحار « 5 »
للانتقال من البسيطة قاصدا * جهة اليمين ومغرب الأسرار
ويحل إدريس العليّ ببوحه * في أثر ذاك العسكر الجرار
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، آية : 210 .
( 2 ) النهى : العقل . الكشف ، يريد به الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية والأمور الحقيقية وجودا وشهودا .
( 3 ) الوجه : وجه الحق ، إشارة إلى الآيةفَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ.
النور ، يريد الحق أيضا .
( 4 ) الساري : الذي يسير ليلا .
( 5 ) الدجى : الظلام .