ولم يكن عنده نطق يقوم به * وقد تحكم فيه الصمت والخرس
كمثل مريم قد كانت سجيته * في رزقه فهو في الراحات يلتمس
وذاك من أعجب الأحوال إنّ له * حال الغنى وهو بين الناس مبتئس
أحوال شخص لأمر اللّه ممتثل * للحكم مقتنص للنور مقتبس
إنّ الإمام الذي تجري الأمور به * في كلّ نهر من الأحوال ينغمس
والسرّ يحكمه لا بل يحكمه * في نفسه وبه السادات قد أنسوا « 1 »
فما لهم قدم في غير حضرته * وما لجانبه منهم فمندرس
هم الحيارى السكارى في محارتهم * وما لهم في جناب الحقّ ملتمس « 2 »
الحال أفناهم عنهم وما عرفوا * من هم لذلك قيل اليوم قد نفسوا « 3 »
لو أنهم مزقوا منهم وما لهم * لديه من كلّ خير فيه ما انتكسوا
الذات تبهم ما الأسماء توضحه * والقوم ما قرأوا علما وما درسوا « 4 »
كانت عليهم من أثواب العلى حلل * فبئس ما خلعوا ونعم ما لبسوا
دخلت جنة عدن كي أرى أثرا * فقيل ليس جناهم غير ما غرسوا
وقال أيضا :
إني رأيت وجودا لا أسميه * فكلّ شيء تراه فهو يحويه « 5 »
له الإحاطة بالأشياء أجمعها * فكلّ عين تراها أنها فيه
حصلت من فكرتي فيه على تعب * ولم أجد حجة تبدو فأبديه
حصلت منه على عمياء مجهلة * بهماء خالية في مهمه التيه « 6 »
أرنو إليه ولا أدريه فانبهمت * عليّ حالته وكلها هو هي
به خلوت وما بالدار من أحد * إذ الوجود الذي ما زلت أبغيه
إني أنا وصفه النفسيّ فاعتبروا * إن زلت زال بهذا النعت أدريه
هامش
( 1 ) السر : لطيفة مودعة في القلب كالروح في البدن ، ونور روحاني هو آلة النفس .
( 2 ) السكر : دهش يلحق سر المحب في مشاهدة جمال المحبوب فجأة . والحيرة : بديهة ترد على قلوب العارفين عند تأملهم وحضورهم وتفكرهم .
( 3 ) الحال : ما يرد على القلب من طرب أو حزن أو بسط أو قبض . الفناء : سقوط الأوصاف المذمومة .
( 4 ) الذات مطلقا : الأمر الذي تستند إليه الأسماء والصفات في عينها لا في وجودها .
الاسم : حروف جعلت لاستدلال المسمى بالتسمية على إثبات المسمى .
( 5 ) الوجود : فقدان العبد بمحاق أوصاف البشرية ووجود الحق .
( 6 ) عميد مجهلة بهماء مهمه : من أسماء الفلاة القفر .