فكنت أطلبه والعين تشهده * ولست أعرفه لما به احتجبا
فقلت هذا أنا فقال ها أنا ذا * فقلت من قال لي لا تترك الطبا
واللّه لو نظرت عيناك من نظرت * لما رأت غيرنا فلتلزم الأدبا
ولست تنظره إلا بنا فعسى * تقول حال عليه النوم قد غلبا
حديث نفسي بنفسي والحديث أنا * كالفرد يضربه فيه الذي ضربا
فلا تضاعفه ولا تعدّده * لأنه عينه أكرم به نسبا
وقال أيضا :
لبيك لبيك من داع بإجماع * والكلّ أنت فأنت السامع الداعي
فلم يلبك مني غير كونكم * أنت اللسان بلا خلف باجماع
قد صحّ عنك من الأخبار ما نطقت * به التراجم عند الحافظ الواعي
ما إن ذكرتك في نفسي وفي ملأ * إلا وكان شفاء لي من أوجاعي
لم يقص عنك الذي قد صحّ من خبر * رويته من حديث الشبر والباع « 1 »
لقد تحققته ذوقا ومعرفة * من غير شكّ ولا قول بإقناع
درّت لبون مواشيه على جلدي * بكلّ مرعى وإنّ الرعي للراعي
ولو طمعت بكوني فيّ دونكم * خابت لديّ على التحقيق أطماعي « 2 »
أنت اللسان وأنت الرّجل أسعى بها * ولا أقول بأنّ الناطق الساعي
وأنت لي بصر إذ أبصرت به * وأنت سمعي فخذ فضلا بأسماعي
نطقا يحققني بمنا يوفقني * وليس يلحقني في الفهم اتباعي
بشرى أسرّ بها إني من أهم ملكم * ولا يطمنه زجري وإرداعي
إني لأشهدكم وأنت تشهد لي * بذاك في الجبل الراسي وفي القاع « 3 »
أنت العليم الذي قسمت أقفزة * حبّ العقول فمن مدّ ومن صاع « 4 »
أمري ظفرت بها في وقت قسمتها * وما جعلت لها حظا من اقطاعي
أقطاعنا هي أسماء الإله بها * عين النجاة لأبصاري وأسماعي
ولا خطوت إلى ما ليس لي قدما * في حال وتر ولا في حال إشفاع
لذاك ما وردت في حقنا كتب * منه تؤدّي إلى ردع واقماع
هامش
( 1 ) الباع : قدر مد اليدين .
( 2 ) التحقيق : ظهور الحق في صور الأسماء الإلهية ، وقيل : هو تكلف العبد لاستدعاء الحقيقة جهده .
( 3 ) القاع : أرض سهلة مطمئنة .
( 4 ) المد : مكيال . الصاع : مكيال . والصاع : أربعة أمداد .