فقل لعقلك قد أفهمت صورته * فقم على قدم التحقيق وانتهض
إلى لمقام الذي ما عنده عرض * أيضا ويعصمه من علة الحرض « 1 »
فإن تيسّر مطلوبي ظفرت به * وإن تعذر تعلم أنّ ذاك قضي
فالعبد عبد متى أعطاه سرّ به * ما كان يسأله وإن أبى فرضي
ولا يغرّنك أحوال فحالتها * كالبرق يظلم جوّ كان منه يضي
قد يعلم العبد من حال القبول إذا * رآه أنّ وجود الفعل منه رضي
السقم للعبد حكم لا يزايله * فلا يزال مع الأنفاس ذا مرض
وقال أيضا :
لولا لبانة موسى النور ما انقلبا * نارا وما أحرقت نبتا وما التهبا
فاحذر فديتك إنّ الأمر ذو خدع * يريك مضطجعا من كان منتصبا
لقد تحوّل للرائين في صور * شتى وما صدق الرائي وما كذبا
كقوله ما رمى من قد رمى ومضى * في أفقه طالعا لقطا وما غربا
وظلّ يطلبه في كلّ شارقة * بيضاء من حرق عليه ملتهبا
ليس التعجب من خير نعمت به * لكنه من عذاب فيه قد عذبا
إنّ المعارف أنوار مخبرة * من عنده تخرق الأستار والحجبا « 2 »
إنّ اللبيب كذي القرنين شيمته * ما ينقضي سبب إلا ابتغى سببا « 3 »
إذا انتهى حكمه في نفس صاحبه * يريك في كونه من أمره عجبا
فتبصر الفضة البيضاء خالصة * عادت بصنعة المثلى لنا ذهبا
كما يصيرّ عين الشمس في نظري * من أيمن الطور في واد به لهبا « 4 »
لقد تحوّل لي من عين صورته * بغير صورته فيما به ذهبا « 5 »
هامش
( 1 ) الحرض : الفساد في البدن وفي المذهب وفي العقل .
( 2 ) المعرفة : صفة من عرف الحق سبحانه بأسمائه وصفاته . الحجاب : حائل يحول بين الشيء المطلوب المقصود وبين طالبه وقاصده .
( 3 ) ذو القرنين : رجل صالح طوى له اللّه الأرض فبلغ قطريها ، وسمي بذي القرنين كذلك ، أو لضفيرتين كانتا له . وقد قال تعالى :إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباًسورة الكهف ، آية : 84 .
( 4 ) الطور : جبل قرب أيلة يضاف إلى سيناء وسينين .
( 5 ) الصورة : قيل : الصورة في طور الحقيق الكشفي علوية وسفلية ، والعلوية حقيقية وإضافية ، والحقيقية هي صور الأسماء الربوبية والحقائق الوجوبية والإضافية هي حقائق الأرواح العقلية المهيمنية والنفسية .
أما السفلية فمنها صور عالم الأجسام غير العنصرية كالعرش والكرسي . ومنها صور العناصر والعنصريات كالصور الهوائية والنارية ، ومنها الصور السفلية الحقيقية وهي ثلاث : صور معدنية وصور نباتية وصور حيوانية .