وليس حجابي غير كوني فلو مضى * قعدت مع المحبوب في مقعد الصدق « 1 »
وهذا محال أن يكون ذهابه * فما ثمّ صفو لا يخلط بالرفق
تجلّى لنا بالأفق بدرا مكملا * وإن فؤادي لا يحنّ إلى الأفق
وإن كان حقا فالمجالي كثيرة * وشرعي نهاني عنه في حلبة السبق
لقد أوّب الحقّ العليم بلادنا * نفوس عباد حظّها الوهم إذ يلقى « 2 »
وسرّحني في كلّ وجه بوجهة * ولم يتقيد لي بغرب ولا شرق
وفرّق لي ما بين كوني وكونه * وإنّ وجود السعد في ذلك الفرق
تعالى فلم تعلم حقيقة ذاته * سغلت فلم أجهل فحدّي في نطقي « 3 »
ولم أدر أنّ الحدّ يشمل كونه * وكوني إذا كانت هويته خلقي
كما جاء في الوحي المقرّر صدقه * على ألسن الإرسال والقول للحق
به يسمع العبد المطيع به يرى * به يظهر الأفعال في الفتق والرتق
لو أنّ الذي قد لاح منه يلوح لي * ولا شرع عندي ما جنحت إلى الفسق
وكنت بما قد لاح لي في بصيرة * فقيدني بالشرع كشفا وما يبقي
خلافا فإنّ الأمر فيه لواحد * ولا ينكر الحقّ الذي جاء بالحق
إلهي يحب الرفق في الأمر كله * كذلك أهل اللّه يأتون بالرفق
لقد شاهدت عيني ثلاث أسرّة * وفي ثالث منها ازورار من العرق
وأخره عن صاحبيه اعتراقه * وكلّ له شرب رويّ من الحق
موازين لا تخطيك فالوزن قائم * ولا سيما في عالم الحبّ والعشق « 4 »
ظفرت به حقا جليا مقدسا * ولا حقّ إلا ما تضمنه حقي
نطقت به عنه فكان منطقي * وقد زاد في الإشكال ما بي من النطق
تقسم هذا الأمر بيني وبينه * فها هو في شقّ وها أنا في شقّ
وصورة هذا ما أقول لصاحبي * أنا عبد قنّ وهو لي مالك الرّق « 5 »
عبودية ذاتية لم أزل بها * وما لي عنها من فكاك ولا عتق
إذا رزق العبد التهي لنيل ما * يكون من الرزاق من خالص الرزق
وما رزق الإنسان أعلى من الذي * يحصله بالعين في لمحة البرق
فذلك رزق الذات ما هو غيره * وآثاره فينا الذي كان في الودق « 6 »
هامش
( 1 ) الحجاب : حائل يحول بين الشيء المطلوب المقصود وبين طالبه وقاصده .
( 2 ) الأوبة : الرجوع . ويقال : آبه اللّه : أي أبعده .
( 3 ) سغلت : هزلت .
( 4 ) العشق : أقصى درجات المحبّة .
( 5 ) القنّ : العبد الخالص العبودة .
( 6 ) الودق : المطر .