تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فوائح الجمال وفواتح الجلال — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
وتارة توافقه في الحزن حتى يحسّ منهنّ البكاء ، وتارة تقول « هلمّ إليه » وتارة يسمع من كل واحدة « تعال إلىّ فانظر وعدّ ما فىّ من العجائب » وكلّها عجائب - ولو حشيشة على الأرض أو ذرّة في الهواء « 1 » - وتارة تزداد غيرة السّيّار وهمّته ، فتدخل الآيات فيه أو يدخل فيهنّ ، أو تنتثر عليه كواكب السماء ، أو السماء تنزل عليه ، أو يذوق أن السماء في صدره ، أو يرى أنه فوق السماء ومع ذلك ينظر إلى الأرض ، فربما تصير الأرض منادمة له ، فتقول : انظر إلىّ ، وما فىّ من العجائب ، وكيف أكرمك اللّه أن تمشى من فوقى وأنا أمّك ، وأنا أكبر منك ؛ وعلى ماذا أنا قائمة ؟ وتارة تصير مثل البحر تموج بين يديه ، وكأنه على وجه الماء لم يغرق ؛ إنما تتمثل بحرا إذا لم يسمع إلى كلامها ، أو سمع إلى حدّ يتحيّر . ولا يزال ينظر إليها ، إلى أن يخرج عليه سكّان الأرض من الروحانيين ، فيحملون عليه ، لكنه يتحصّن بحصن الصدق والإخلاص فلا يظفرون عليه . . وفي العاقبة ، تفنى الأرض في دائرة القدرة . فالمقصود ، أنه إذا اشتدّت غيرة السّيّار وعلت همّته ، حلّ له الضرب
هامش
( 1 ) يتفق ما يتحدث عنه الشيخ هنا مع ما اكتشفه العلماء مؤخرا بعد ظهور تخصّص الطبيعيات الدقيقة ( ميكرو فيزياء ) حيث أمكن مشاهدة ما هو داخل الذرات من عوالم متحركة مليئة بالصور العجيبة . والحيرة التي يتحدث عنها الشيخ نجم الدين هنا ، وصل إليها علماء الطبيعيات المعاصرة ، حين اكتشفوا أن قوام المادة هو جزئيات نشطة تتحرك بسرعة رهيبة ولا يمكن التنبؤ بمساراتها ، وهو ما صاغه « هيزنبرج » تحت اسم : مبدأ اللاتحديد . انظر ؛ د / ماهر عبد القادر : فلسفة العلوم ، المشكلات المعرفية ( بيروت ) ص 152 وما بعدها .