تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فوائح الجمال وفواتح الجلال — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
القدسية ، فيملؤه من فوقه إلى قدمه أمنا وإيمانا ورغبة وشوقا ومحبة وإيقانا وإتقانا وعرفانا ، فيمتلئ . وعند ذلك ينطلق القلب ، ويرغب إلى الرّبّ جلّ جلاله - عند الصحة - فيستغرق الذكر في القلب ، لا استغراق الفناء « 1 » ، بل استغراق الوقوع فيه ، فيحسّ من القلب كأنه قليب ، والذكر دلوّ يقع فيه ، فيستقى الماء منه . وعند ذلك يقع الطيران في الأعضاء وحركات ضرورية غير معهودة مثل حركة المرتعش . وكلما سكت عن الذكر ، تحرّك القلب في الصدر حركة الولد في بطن الأم يطلب الذكر ، فإن القلب مثل عيسى بن « 2 » مريم ، والذكر لبنه . وإذا قوى وكبر ، صعد منه حنين إلى الحقّ ، وصوت ، وصعقات « 3 » ضرورية ، شوقا إلى الذكر والمذكور ؛ وإن كان صاحبه غافلا عن الذكر والمذكور . . وذكر القلب يشبه رنّة النحل ؛ لا صوت رفيع مشوّش ، ولا خفىّ شديد الخفاء .
هامش
( 1 ) للفناء في لغة الصوفية دلالات متعددة ( راجع في ذلك : تعريفات الجرجاني ص 143 - الرسالة القشيرية ص 39 - التعرف لمذهب أهل التصوف ص 150 - رسالة اصطلاح الصوفية لابن عربى ص 6 ) . والراجح أن الشيخ نجم الدين هنا يستخدم الفناء بمعنى غياب الحس ، ذلك لأنه ينفى هذه الحالة ويؤكد شعور الذاكر الواقع ذكره في القلب ، وكأن الذكر دلو يأتي بالماء من بئر القلب . . وهي صورة فريدة من صور الشعور . أما في الفناء - بمعانيه المتعددة - فلا نجد مثل تلك الصور الشعورية . ( 2 ) أ ، ج : ابن . ( 3 ) الصّعقات نوع من الصرخات المفاجئة التي تصدر عن الصوفي إذا هجمت عليه الواردات الإلهية . . وفي كتب الطبقات نرى العديد من وقائع الصعق على مشايخ الصوفية ، وبعضهم مات بتلك الصعقة الشديدة .