فإذا علم ذلك ، كذّب الحسّ الأول وأعرض عنه ، وقعد عن الصيد الحسّى . وضعف عن التصرّف - بمدّة مديدة - فيسأم عن عالم الصور والخيال ، فتقعد كلابه وحباله « 1 » عن الاصطياد ؛ فتظهر المعاني « 2 » في الألوان - لثبوت الرابطة بينها وبين البصيرة - ثمّ تفنى المعاني في ينبوع المعاني ، وهو القلب ، فيستقيم الأمر على لون واحد ، وهو الخضرة ، وهو لون حياة القلب ؛ ثمّ يبقى بعده لون العقيق « 3 » ، وهو لون العقل الكبير . . من اتّصف به ، حمله على ما يحبّ أن يوجد ، ويمنعه عما يحبّ عدمه . شاء صاحبه أم أبى ، بل لا يأبى عليه ، كما لا تأبى على الروح إذا احترزت من النار !
وهذا اللون « 4 » ، إنما يظهر باليسر بعد العسر . . وهو عسر المجاهدة ، فإن المجاهد إذا رابط ثغر « 5 » الصدق والإخلاص ، نزل عليه من
هامش
( 1 ) الإشارة إلى الحواس المذكورة فيما سبق ، كالمخيلة والمصورة .
( 2 ) العبارة التالية في هامش ب .
( 3 ) العقيق حجر كريم ، أجوده وأشهره « العقيق الأحمر » وهناك أنواع أخرى : الرطبى ، الأحمر المائل للصفرة ، الأزرق ، الأسود الأبيض ( انظر : أزهار الأفكار للتيفاشى ص 146 - الجماهر في معرفة الجواهر للبيرونى ص 170 ) والمقصود بلون العقيق هنا :
اللون الأحمر .
( 4 ) يقصد لون العقيق الأحمر .
( 5 ) المرابطة في الثغور ، نوع من المجاهدات الصوفية ، يذهب فيه الصوفي لحراسة حدود الدولة من هجمات الأعداء . . ويبدو أن اتخاذ الصوفية لهذه الرياضة الروحية ، راجع إلى جمعها بين الجهاد بالمعنى الظاهر ( الجهاد بالسيف ) والجهاد بمعناه العميق . . أي الجهاد الأكبر ( جهاد النفس ) لما في هذه الرابطة من ملازمة لشظف العيش والتقشف والبعد عن الحياة المترفة .