تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فوائح الجمال وفواتح الجلال — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
والنظر - مثل كلب الصيّاد - فإذا وردت المعاني بذواتها ، رمى العقل إليها حبالتى المصوّرة « 1 » والمخيّلة « 2 » ، أو عدا إليها كلب النظر فاصطادها بنابى المصوّرة والمخيّلة ؛ ثمّ تحفظها الممسكة « 3 » المذكّرة للعقل حتى يتصرّف فيها ، ويسألها : من أين هي ؟ وما هي ؟ وإلى أين ؟ وما غرضها ؟ ثمّ يقضى منها العجب . فالمخيّلة تحيل المعنى بلباسه اللائق به ، والمصوّرة تصوّره . . فتصوّر العدو الخسيس بصورة الكلب ، والعدو الشريف بصورة الأسد ، والرجل العظيم بالجبل ، والسلطان بالبحر ، والرجل النافع بالشجرة المثمرة ، وغير النافع بالشجرة غير المثمرة ، والنفع والرزق بالطعام ، والدنيا بالنجاسة والمرأة العجوز ، وهلمّ جرّا إلى غير ذلك . . وهذا سرّ علم التعبير « 4 » .
هامش
( 1 ) يقصد القوة المصورة التي تجسد المعاني في الصورة . ( 2 ) هي قوة الخيال . ( 3 ) هي الذاكرة . ( 4 ) هو علم تعبير الرؤى ، أو تفسير الأحلام . وقد استهدى البشر بالأحلام والرؤى لفهم الواقع المحسوس منذ أقدم العصور ، ولذلك نرى النابلسي يصف هذا العلم ( تعبير الرؤى ) بأن علم من أشرف علوم الأوائل . . وأقدم النصوص الخاصة بمحاولة تفسير المنامات ، ووضع تصنيف لها ، هو كتاب « أرطميدوس الإفسى » الذي عاش في القرن الثاني الميلادي ، وقد قام « حنين بن إسحاق » بترجمته من اليونانية إلى العربية في القرن الثالث الهجري ، ويرجح الباحثون أن ابن سيرين - أشهر المؤلفين في هذا الفن - قد استفاد من كتاب أرطميدوس . ومع ذلك كله ، فالبرديات الفرعونية تشير إلى أن المصريين القدماء استعانوا في مجال التشخيص بدلالة المنامات التي يراها المرضى ، فكان يطلب من المريض أن ينام في المعبد ثم يقص ما يراه على الطبيب حتى يستهدى الأخير بذلك في معرفة نوع المرض ! -