فصل : في تبديل الذوق
والذوق والمشاهدة « 1 » ثابتان معا ، إلا أن المشاهدة سببها فتح البصيرة ، بكشف الغطاء « 2 » عنها . . والذوق سببه تبديل الوجود والأرواح .
والذوق هو « الوجدان بما يأتيك » ويدخل في هذا التبديل تبديل الحواس ؛ فإن الحواس الخمس تتبدّل بحواس أخر . ومثاله النوم ، وهو ثابت في حقّ العامة ، فإنه مهما نام واستخلص قليلا عن أثقال الوجود ، وانسدت حواسه ببحار الوجود ، انفتحت حواسّ أخر إلى الغيب - من عين وسمع وشمّ وفم ويد ورجل ووجود آخر - فيرى ويسمع ، ويأخذ من لقم « 3 » الغيب ويأكل . . وربما يقوم من نومه بعد الأكل ، فيجد لذّة الطعام في فمه ! ويتكلّم ويمشى ويبطش ويصل إلى البلاد القاصية - ولا يحجبه البعد - وذلك وجود أكمل من هذا . وربما يجد في ذلك الوجود قوة الطيران ، والمشي على الماء ، والدخول في النار ولا يحترق ؛ ولا تحتسب هذا جزافا ، بل هو حقيقة ، وهو أخ الموت « 4 » .
هامش
( 1 ) راجع معنى « المشاهدة » فيما سبق . أما « الذوق » فهو منهج الصوفية الذي يعتمد على الرؤية الباطنة القلبية للأشياء ، والإدراك غير الحسى للمعارف . . وهو يقابل في المصطلح الفلسفي كلمة « حدس » وكثيرا ما يستخدم الدارسون الكلمتين بمعنى واحد ، مع ما فيها من اختلاف في المنطلق والغاية .
( 2 ) كشف الغطاء : تعبير صوفي يراد به الإشارة إلى انكشاف الحقائق الكامنة وراء الظواهر المحسوسة ، ورؤية القدرة الإلهية في سائر الأشكال الوجودية . وينسب إلى بعض صحابة النبي قوله : لو كشف عنى الغطاء ما أزدت يقينا . .
( 3 ) في الحديث الشريف : إني أبيت عند ربى يطعمني ويسقين .
( 4 ) في المأثورات : النوم أخو الموت . وفي الآية الكريمة :اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها-